إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

حديث: لا تصوموا حتى تروا الهلال

1906- وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ) القعنبيُّ (عَنْ مَالِكٍ) الإمام، ولابن عساكر: ((حدَّثنا مالكٌ)) (عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما: أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَكَرَ رَمَضَانَ فَقَالَ: لَا تَصُومُوا حَتَّى تَرَوُا الْهِلَالَ) أي: إذا لم يكمل شعبان ثلاثين يومًا (وَلَا تُفْطِرُوا) من صومه (حَتَّى تَرَوْهُ) أي: الهلال، وليس المرادُ رؤيةَ جميع النَّاس بحيث يحتاج كلُّ فردٍ فردٍ [1] إلى رؤيته، بل المعتبر رؤية بعضهم، وهو العدد الذي تثبت به الحقوق؛ وهو عدلان إلَّا أنَّه يكتفى في ثبوت هلال رمضان بعدلٍ واحدٍ يشهد عند القاضي، وقالت طائفةٌ منهم البغويُّ: ويجب الصَّوم أيضًا على من أخبره موثوقٌ به بالرُّؤية وإن لم يذكره عند القاضي، ويكفي في الشَّهادة: أشهد أنِّي رأيت الهلال، لا أن يقول: غدًا من رمضان لأنَّه قد يعتقد دخوله بسببٍ لا يوافقه عليه المشهود عنده بأن يكون أخذه من حسابٍ، أو يكون حنفيًّا يرى إيجاب الصَّوم ليلة الغيم أو غير ذلك، واستدلَّ [2] لقبول الواحد بحديث ابن عبَّاسٍ عند أصحاب «السُّنن» قال: جاء أعرابيٌّ إلى النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم فقال: إنِّي رأيت الهلال، فقال: «أتشهد أن لا إله إلَّا الله، أتشهد أنَّ محمَّدًا رسول الله؟» قال: نعم، قال: «يا بلال أذِّن في النَّاس أن يصوموا غدًا»، وروى أبو داود وابن حبَّان عن ابن عمر قال: تراءى النَّاس الهلال فأخبرت رسول الله صلى الله عليه وسلم أنِّي رأيته، فصام وأمر النَّاس بصيامه، وهذا أشهر قولَي الشَّافعيِّ عند أصحابه وأصحُّهما، لكنَّ آخر قوليه: إنَّه لا بدَّ من عدلين، قال في «الأمِّ»: لا يجوز على هلال رمضان إلَّا شاهدان، لكن قال الصَّيمريُّ: إن صحَّ أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم قبل شهادة الأعرابيِّ وحده أو شهادة ابن عمر وحده [3] قُبِل الواحد، وإلَّا فلا يُقبَل أقلُّ من اثنين، وقد صحَّ كلٌّ منهما، وعندي: أنَّ مذهب الشَّافعيِّ قبول الواحد، وإنَّما رجع إلى الاثنين بالقياس لَمَّا لم يثبت عنده في المسألة سنَّةٌ، فإنَّه تمسَّك للواحد بأثرٍ عن عليٍّ ولهذا قال في «المختصر» [4]: ولو شهد برؤيته عدلٌ واحدٌ رأيت أن أقبله للأثر فيه.
(فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ) بضمِّ الغين المعجمة وتشديد الميم، أي: إن حال بينكم وبين الهلال غيمٌ في صومكم أو فطركم (فَاقْدُرُوا لَهُ) بهمزة وصلٍ وضمِّ الدَّال، وهو تأكيدٌ لقوله: «لا تصوموا حتَّى تروا الهلال»؛ إذ المقصود حاصلٌ منه، وقد أورثت هذه الزِّيادة المؤكِّدة عند المخالف شبهةً بحسب تفسيره لقوله: «فاقدروا له»، فالجمهور قالوا: معناه: قدِّروا له تمام العدد ثلاثين يومًا، أي: انظروا في أوَّل الشَّهر واحسبوا ثلاثين يومًا كما جاء مفسَّرًا [5] في الحديث اللَّاحق [خ¦1907] ولذا أخَّره المؤلِّف لأنَّه مفسِّرٌ، وقال آخرون: ضيِّقوا له وقدِّروه تحت الحساب، وهو مذهب الحنابلة، وقال آخرون: قدِّروه بحساب [6] المنازل، قال الشَّافعيَّة: ولا عبرة بقول المنجِّم، فلا يجب به الصَّوم ولا يجوز، والمرادُ بآية: {وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ} [النَّحل: 16] الاهتداءُ في أدلَّة القبلة، ولكن له أن يعمل بحسابه كالصَّلاة، ولظاهر هذه الآية. وقيل: ليس له ذلك، وصحَّح في «المجموع» أنَّ له ذلك، وأنَّه لا يجزئه عن فرضه، وصحَّح في «الكفاية»: أنَّه إذا جاز أجزأه، ونقله عن الأصحاب وصوَّبه الزَّركشيُّ تبعًا للسُّبكيِّ، قال: وصرَّح به في «الرَّوضة» في الكلام على أنَّ شرط النِّيَّة الجزم، قال: والحاسب؛ وهو من يعتمد منازل القمر وتقدير سيره في معنى المنجِّم؛ وهو من يرى أنَّ أوَّل الشَّهر طلوع النَّجم الفلانيِّ، وقد صرَّح بهما معًا في «المجموع».
ج3ص356


[1] «فردٍ»: ليس في (د).
[2] في (د): «واستدلُّوا».
[3] «وحده»: مثبتٌ من (ب) و(س).
[4] في (د): «المختصِّ»، وهو تحريفٌ.
[5] «مُفسَّرًا»: ليس في (د).
[6] في (د): «بحسب».