إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

حديث: إن الأخر وقع على امرأته في رمضان

1937- وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا عُثْمَانُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ) نسبه [1] لجدِّه، وأبوه محمَّدٌ، وهو أخو أبي بكر ابن أبي شيبة قال: (حَدَّثَنَا جَرِيرٌ) بفتح الجيم هو ابن عبد الحميد (عَنْ مَنْصُورٍ) هو ابن المعتمر (عَنِ الزُّهْرِيِّ) هو [2] محمَّد بن مسلمٍ (عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن عوفٍ الزُّهريِّ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ) أنَّه قال: (جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: إِنَّ الأَخِرَ [3] ) بقصر الهمزة وكسر الخاء المعجمة بوزن «كَتِفِ» أي: من هو في آخر القوم (وَقَعَ عَلَى امْرَأَتِهِ) أي: جامعها (فِي) نهار (رَمَضَانَ، فَقَالَ) عليه السلام له: (أَتَجِدُ مَا تُحَرِّرُ) أي: تعتق به [4] (رَقَبَةً؟) بالنَّصب مفعول «تحرِّر» (قَالَ) الرَّجل: (لَا) أجد (قَالَ) عليه الصلاة والسلام: (فَتَسْتَطِيعُ [5] أَنْ تَصُومَ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ؟ قَالَ) الرَّجل: (لَا) أستطيع (قَالَ) عليه الصلاة والسلام: (أَفَتَجِدُ مَا تُطْعِمُ بِهِ سِتِّينَ مِسْكِينًا؟) وسقط لأبوي ذرٍّ والوقت وابن عساكر لفظ «به» (قَالَ) الرَّجل: (لَا) أجد (قَالَ) أبو هريرة: (فَأُتِيَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) بضمِّ الهمزة وكسر الفوقيَّة مبنيًّا للمفعول (بِعَرَقٍ فِيهِ تَمْرٌ) من تمر الصَّدقة (وَهُوَ) أي: العرق (الزَّبِيلُ) [6] بفتح الزَّاي وكسر المُوحَّدة المُخفَّفة: القفَّة، وفي نسخةٍ: ((الزَّنبيل)) بالنُّون (قَالَ) عليه الصلاة والسلام للرَّجل: (أَطْعِمْ هَذَا) التَّمر (عَنْكَ) ولابن إسحاق: فتصدَّق به عن نفسك، واستدلَّ به على أنَّ الكفَّارة عليه وحده دون الموطوءة؛ إذ لم يُؤمَر بها إلَّا هو مع الحاجة إلى البيان، ولنقصان صومها بتعرُّضه [7] للبطلان بعروض الحيض أو نحوه، فلم تكمل [8] حرمته حتَّى
ج3ص379
تتعلَّق به الكفَّارة، ولأنَّها غرمٌ ماليٌّ يتعلَّق بالجماع فيختصُّ بالَّرجل الواطئ كالمهر، فلا يجب [9] على الموطوءة، وقال المالكيَّة: إذا وطئ أَمَتَهُ في نهار رمضان وجبت عليه كفَّارتان: إحداهما: عن نفسه، والأخرى: عن الأَمَة وإن طاوعته لأنَّ مُطاوَعتها كالإكراه للرِّقِّ، وكذلك يكفِّر عن الزَّوجة إن أكرهها على الجماع، وتكفيره عنهما بطريق النِّيابة عنهما لا بطريق الأصالة؛ فلذلك لا يكفِّر عنهما إلَّا بما يجزئهما في التَّكفير، فيكفِّر عن الأَمَة بالإطعام لا بالعتق؛ إذ لا ولاء لها، ولا بالصَّوم لأنَّ الصَّوم لا يقبل النِّيابة، ويكفِّر عن الزَّوجة الحرَّة بالعتق أو الإطعام، فإن أعسر كفَّرت الزَّوجة عن نفسها، ورجعت عليه إذا أيسر بالأقلِّ من قيمة الرَّقبة التي أعتقت أو مكيلة الطَّعام، وأوجبها الحنفيَّة على المرأة المطاوعة لأنَّها شاركت الرَّجل في الإفساد فتشاركه في وجوب الكفَّارة، أي: سواءٌ كانت زوجةً أو أمةً، وقال الحنابلة: ولا يلزم المرأة كفَّارةٌ مع العذر، قال المرداويُّ: نصَّ عليه وعليه [10] أكثر الأصحاب، وعنه: تكفِّر وترجع بها على الزَّوج، اختاره بعض الأصحاب، وهو الصَّواب. انتهى. وأمَّا حديث الدَّارقُطنيِّ عن أبي ثورٍ قال: حدَّثنا مُعلَّى بن منصورٍ قال: حدَّثنا سفيان بن عيينة عن الزُّهريِّ عن حُمَيدٍ عن أبي هريرة قال: جاء أعرابيٌّ إلى النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم فقال: هلكت وأهلكت... الحديثَ؛ فقد تفرَّد به أبو ثورٍ عن مُعلَّى بن منصورٍ عن ابن عيينة بقوله: «وأهلكت»، وأخرجه البيهقيُّ عن جماعةٍ عن الأوزاعيِّ عن الزُّهريِّ به [11]، وفيه قولُه: «وأهلكتُ» وقال [12]: ضعَّف شيخنا أبو عبد الله الحاكم هذه اللَّفظة، وكافَّة أصحاب الأوزاعيِّ روَوْه دونها، واستدلَّ الحاكم على أنَّها خطأٌ: بأنَّه نظر في «كتاب الصَّوم» _تصنيف المُعلَّى ابن منصورٍ_ فوجد فيه هذا الحديث دون هذه اللَّفظة، وأنَّ [13] كافَّة أصحاب سفيان روَوْه دونها.
(قَالَ) الرَّجل: أتصدَّق به (عَلَى أَحْوَجَ مِنَّا؟) بحذف همزة الاستفهام، والفعل الذي يتعلَّق به الجارُّ لدلالة قوله: «أطعمْ هذا عنك»، وهو استفهامٌ تعجبيٌّ، أي: ليس [14] أحدٌ أفقرَ منَّا حتَّى أتصدَّق به عليه (مَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا) وفي الرِّواية السَّابقة [خ¦1936] «فوالله ما بين لابتيها» (أَهْلُ [15] بَيْتٍ أَحْوَجُ مِنَّا، قَالَ) عليه الصلاة والسلام: (فَأَطْعِمْهُ أَهْلَكَ) قيل: أراد بهم من لا تلزمه نفقتهم من أقاربه، وهو قول بعض الشَّافعيَّة، ورُدَّ بقوله في الرِّواية الأخرى [خ¦6709] «عيالك»، وبالأخرى المصرِّحة بالإذن له في الأكل من ذلك، وقيل: هو خاصٌّ بهذا الرَّجل، وإليه نحا إمام الحرمين، وعُورِض بأنَّ الأصل عدم الخصوصيَّة، وقيل: هو منسوخٌ، ولم يعيِّن [16] قائلُه ناسخَه، وقال الشَّافعيُّ في «الأمِّ»: يحتمل أنَّه لمَّا أخبره بفقره صَرَفَه له صدقةً، أو أنَّه ملَّكه إيَّاه وأمره [17] بالتَّصدُّق به، فلمَّا أخبره بفقره أذن له في صرفها لهم؛ للإعلام بأنَّها إنَّما تجب بعد الكفاية، أو أنَّه تطوَّع بالتَّكفير به عنه بإذنه، وسوَّغ له صرفها لأهله للإعلام بأنَّ لغير المكفِّر التَّطوُّع بالتَّكفير عنه بإذنه، وأنَّ له صرفها لأهل المُكفَّر عنه، فأمَّا أنَّ الشَّخص يكفِّر عن نفسه ويصرف إلى أهله فلا.
ج3ص380


[1] في (د): «نسبةً».
[2] «هو»: ليس في (د).
[3] في هامش (ص): (قوله: «الآخِر»: قال العينيُّ: فيه قصر الهمزة ومدُّها بعدها خاءٌ معجمةٌ مكسورةٌ؛ وهو من يكون في آخر القوم، وقيل: هو المُدْبِرُ المتخلِّف، وقيل: الأرذل، وقيل: معناه: «إنَّ الأبعد»، على الذَّمِّ). انتهى.
[4] «به»: ليس في (د).
[5] في غير (ب) و(د) و(س): «أفتستطيع»، والمثبت موافقٌ لما في «اليونينيَّة».
[6] في هامش (ص): (قوله: «الزَّبيل»: كأميرٍ وسِكِّينٍ وقنديلٍ، وقد تُفتَح: القُفَّة أو الجراب أو الوعاء، الجمع؛ كـ «كُتُبٍ»، وزُبْلانٌ؛ بالضَّمِّ). انتهى. «قاموس».
[7] في (ب): «بتعريضه»، وفي (ص): «بتعرُّضها».
[8] في (د): «تُنتَهك».
[9] في (د): «تجب».
[10] في (ص): «نصَّ عليه وقال». زاد «وقال».
[11] «به»: ليس في (م).
[12] زيد في (ب): «و».
[13] «أنَّ»: ليس في (د).
[14] في (ص): «أليس).
[15] في هامش (ص): (قوله: «أهلُ»: مرفوعٌ على أنَّه اسم «ما»، و«أحوجَ»: خبرٌ؛ إن جعلتها حجازيَّةً، وبالرَّفع: إنْ جعلتها تميميَّةً كما تقدَّم قبله). انتهى زركشيٌّ.
[16] في غير (د): «يبيِّن».
[17] في (ب) و(س): «أو أمره».