إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

حديث: أن من أكل فليتم أو فليصم

1924- وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ) الضَّحَّاك بن مخلدٍ النَّبيل [1] (عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي عُبَيْدٍ) [2] «يزيد» من الزِّيادة، و«عبيد» مُصغَّرًا: مولى سلمة بن الأكوع (عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الأَكْوَعِ) واسمُ الأكوع سنانُ بن عبد الله (رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعَثَ رَجُلًا) هو هند بن أسماء بن حارثة الأسلميُّ كما عند أحمد وابن أبي خيثمة (يُنَادِي فِي النَّاسِ يَوْمَ عَاشُورَاءَ: أَنَّ) بفتح الهمزة وفي «اليونينيَّة»: بسكون النُّون مع فتح الهمزة [3]، ولأبي ذرٍّ: ((إِنَّ)) بكسرها مع تشديد النُّون [4] (مَنْ أَكَلَ فَليُتِمَّ) بسكون اللَّام، ويجوز كسرها بلفظ الأمر للغائب، والميم مفتوحةٌ تخفيفًا، أي: ليمسك بقيَّة يومه حرمةً للوقت كما يمسك لو أصبح يوم الشَّكِّ مفطرًا، ثمَّ ثبت أنَّه من رمضان (أَوْ) قال: (فَلْيَصُمْ) شكٌّ من الرَّاوي (وَمَنْ لَمْ يَأْكُلْ فَلَا يَأْكُلْ) واستدلَّ به أبو حنيفة على [5] أنَّ الفرض يجوز بنيَّةٍ [6] من النَّهار لأنَّ صوم عاشوراء كان فرضًا، ورُدَّ بأنَّه إمساكٌ لا صومٌ، وبأنَّ عاشوراء لم يكن فرضًا عند الجمهور، وبأنَّه ليس فيه أنَّه لا قضاء عليهم، بل في أبي داود: أنَّهم أتمُّوا بقيَّة اليوم وقضَوه، واستدلَّ الجمهور لاشتراط النِّيَّة في صوم الفرض من اللَّيل بحديث حفصة عند أصحاب «السُّنن»: أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: «من لم يبيِّت الصِّيام من اللَّيل فلا صيام له» وهذا لفظ النَّسائيِّ، ولأبي داود والتِّرمذيِّ: «من لم يُجمِع [7] الصِّيام قبل الفجر [8] فلا صيام له» واختُلِف في رفعه ووقفه، ورجَّح التِّرمذيُّ والنَّسائيُّ الموقوف، وعمل بظاهر الإسناد جماعةٌ فصحَّحوا الحديث المذكور، منهم ابن خزيمة وابن حبَّان والحاكم، وروى له الدَّارقُطنيُّ طريقًا أخرى، وقال: رجالها [9] ثقاتٌ، وظاهره: العموم في الصَّوم نفلًا أو فرضًا، وهو محمولٌ على الفرض بقرينة حديث عائشة السَّابق، وهو قوله عليه الصلاة والسلام لها يومًا: «هل عندكم من غداءٍ؟» قالت: لا، قال: «فإنِّي إذًا أصوم [10]» قالت: وقال لي يومًا آخر: «أعندكم شيءٌ؟» قلت: نعم، قال: «إذًا أفطرُ وإن كنت فرضت الصَّوم» رواه الدَّارقُطنيُّ وصحَّح إسناده، فلا تجزئ النِّيَّة مع طلوع الفجر لظاهر الحديث، ولا تختصُّ بالنِّصف الأخير من اللَّيل لإطلاقه، ولو شكَّ في تقدُّمها الفجر لم يصحَّ صومه لأنَّ الأصل عدم التَّقدُّم، ولا بدَّ من التَّبييت لكلِّ يومٍ لظاهر الحديث، ولأنَّ صوم كلِّ يومٍ عبادةٌ لتخلُّل اليومين ما يناقض الصَّوم كالصَّلاتين يتخلَّلهما السَّلام، وقال المالكيَّة: المشهورُ الاكتفاءُ بنيَّةٍ واحدةٍ في أوَّل ليلةٍ من رمضان لجميعه في حقِّ الحاضر الصَّحيح، وأمَّا المسافر والمريض فلا بدَّ لكلٍّ منهما من التَّبييت في كلِّ ليلةٍ، ولا بدَّ عند الشَّافعيَّة من كونها جازمةً مُعيَّنةً كالصَّلاة بخلاف الحنفيَّة فلم يشترطوا التَّعيين.
وهذا الحديث من الثُّلاثيَّات، وأخرجه المؤلِّف أيضًا في «الصِّيام» [خ¦2007] وفي «خبر الواحد» [خ¦7265]، ومسلمٌ والنَّسائيُّ في «الصَّوم».
ج3ص366


[1] «النَّبيل»: مثبتٌ من (ب) و(س).
[2] في (ب): «عبيدة»، وهو تحريفٌ، وكذا في الموضع اللَّاحق.
[3] قوله: «وفي اليونينيَّة: بسكون النُّون مع فتح الهمزة» ليس في (م).
[4] «مع تشديد النُّون»: ليس في (م).
[5] «على»: مثبتٌ من (ب) و(س).
[6] في (م): «بنيَّته».
[7] في هامش (ص): (قوله: يُجمع: بضمِّ الياء، ففي «النِّهاية»: الإجماع: إحكام النِّيَّة والعزيمة، أجمعت الرَّأي وأزمعته وعزمت عليه: بمعنًى). انتهى.
[8] في (ص): «الصِّيام من اللَّيل».
[9] في (د): «رجاله».
[10] في (م): «صائمٌ».