إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

حديث: كلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم

1918- 1919- وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا عُبَيْدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ [1] ) وكان اسمه عبد الله [2] الهبَّاريُّ القرشيُّ (عَنْ أَبِي أُسَامَةَ) حمَّاد بن أسامة (عَنْ عُبَيْدِ اللهِ) بن عمر العمريِّ (عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ وَالْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ) أي: ابن أبي بكرٍ الصِّدِّيق، المُتوفَّى سنة ستٍّ ومئةٍ على الصَّحيح (عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا) و«القاسمِ»: جُرَّ عطفًا على «نافعٍ» لا على «ابن عمر» لأنَّ عبيد الله رواه عن نافعٍ عن ابن عمر، وعن القاسم عن عائشة، والحاصل: أنَّ لعبيد الله فيه شيخين يروي عنهما، وهما نافعٌ والقاسم ابن محمَّدٍ: (أَنَّ بِلَالًا كَانَ يُؤَذِّنُ) للفجر [3] (بِلَيْلٍ) ليستعدَّ لها بالتَّطهُّر [4] وغيره، وقال أبو حنيفة والثوري: للسُّحور، ورُدَّ: بأنَّه إنَّما أخبر عن عادته في الأذان دائمًا (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: كُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يُؤَذِّنَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ) عمرو بن قيسٍ العامريُّ، وأمُّ مكتومٍ اسمها عاتكة بنت عبد الله، وزاد في «باب أذان الأعمى» [خ¦617]، كـ «المُوطَّأ»: وكان أعمى لا ينادي حتَّى يُقال له: أصبحت أصبحت، أي: قاربت الصَّباح، وقيل: على ظاهره من ظهور الصَّباح، والأوَّل أرجح، وعليه يُحمَل قوله هنا: (فَإِنَّهُ لَا يُؤَذِّنُ حَتَّى يَطْلُعَ الْفَجْرُ) أي: حتَّى يقارب طلوع الفجر، والمعنى في الجميع: أنَّ بلالًا كان يؤذِّن قبل الفجر، ثمَّ يتربَّص بعدُ للدُّعاء ونحوه، ثمَّ يرقب الفجر، فإذا قارب طلوعه نزل فأخبر ابن أمِّ مكتومٍ، فيتطهَّر ويرقى ويشرع في الأذان إذا قارب الصَّباح حوطةً [5] للفجر، فأذانه عَلَمٌ على الوقت الذي يمتنع فيه الأكل، ولعلَّ بتمام أذانه يتَّضح الفجر، وتحلُّ [6] الصَّلاة على التَّأويل الآخر في «أصبحت أصبحت»، فيكون جمعًا بين الأمرين، قاله الأبيُّ، وسبق في الباب الذي قبل هذا [7]: أنَّ «حتَّى» هنا لغاية المدِّ.
(قَالَ الْقَاسِمُ) بن محمَّدٍ: (وَلَمْ يَكُنْ بَيْنَ أَذَانِهِمَا) بكسر النُّون من غير ياءٍ (إِلَّا أَنْ يَرْقَى) بفتح القاف، أي: يصعد (ذَا) ابنُ أمِّ مكتومٍ (وَيَنْزِلَ) بالنَّصب عطفًا على «يرقى» (ذَا) بلالٌ،
ج3ص363
ولم يشاهد [8] ذلك القاسم بن محمَّدٍ، وقول الدَّاوديِّ: هذا يدلُّ على أنَّ ابن أمِّ مكتومٍ كان يراعي قرب طلوع الفجر أو طلوعه؛ لأنَّه لم يكن يكتفي بأذان بلالٍ في علم الوقت؛ لأنَّ بلالًا _فيما يدلُّ عليه الحديث_ كان تختلف أوقاته، وإنَّما حكى من قال: «يرقى ذا وينزل ذا» ما شاهد [9] في بعض الأوقات، ولو كان فعله لا يختلف لاكتفى به النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم، ولم يقل: «فكلوا واشربوا حتَّى يؤذِّن ابن أمِّ مكتومٍ»، ولقال: فإذا فرغ بلالٌ فكفُّوا، تعقبه ابن المُنيِّر بأنَّ الرَّاوي إنَّما أراد أن يبيِّن اختصارهم في السَّحور إنَّما كان باللُّقمة والتَّمرة ونحوها [10] بقدر ما ينزل هذا ويصعد هذا، وإنَّما كان يصعد قبيل الفجر؛ بحيث إذا وصل إلى فوق طلع الفجر، ولا يحتاج هذا إلى حمله على اختلاف أوقات بلالٍ، بل ظاهر الحديث أنَّ أوقاتها [11] كانت على رتبةٍ مُمهِّدة، وقاعدةٍ مطَّردة. انتهى.
ج3ص364


[1] في هامش (ص): (قوله: «إسماعيل» يُكنَّى أبا محمَّدٍ، الهبَّاريُّ القرشيُّ الكوفيُّ، مرَّ في «الحيض» [خ¦317] ) .
[2] في هامش (ص): (قوله: «وكان اسمه عبد الله» كذا بخطِّه، وصوابه: عُبَيد؛ بالتَّصغير؛ كما في «التَّقريب»، وعبارته: عبيد الله بن إسماعيل، القرشيُّ الهَبَّاريُّ _بفتح الهاء والمُوحَّدة الثَّقيلة_ ويُقال: اسمه عبيد الله؛ نسبةً إلى هَبَّارٍ). انتهى.
[3] في (ب): «الفجر».
[4] في غير (م): «بالتَّطهير».
[5] في هامش (ص): (قوله: «حوطةً»، وفي «القاموس»: واحتاط: أخذ في الحزم، والاسم: الحَوْطَة والحَيْطَة، ويُكسَر). انتهى.
[6] في (ب) و(س): «وتصحُّ»، وفي (م): «تُحَمل»، وهو تحريفٌ.
[7] في (ص): «الباب السَّابق».
[8] في (م): «يشهد».
[9] في (ب) و(س): «شهد».
[10] في (ص): «ونحوهما».
[11] في (ب) و(س): «أوقاتهما»، وفي هامش (ص): (قوله: «أوقاتها» كذا بخطِّه، ولعلَّه: أوقاتهما، أو: أوقاته؛ كذا بخطِّه). عجمي.