إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

حديث: كان أصحاب محمد إذا كان الرجل صائمًا فحضر الإفطار

1915- وبالسَّند
ج3ص360
قال: (حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُوسَى) بضمِّ العين مُصغَّرًا، العبسيُّ الكوفيُّ (عَنْ إِسْرَائِيلَ) بن يونس بن أبي إسحاق السَّبيعيِّ (عَنْ) جدِّه (أَبِي إِسْحَاقَ) عمرو بن عبد الله (عَنِ الْبَرَاءِ) بن عازبٍ (رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: كَانَ أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) في أوَّل ما افتُرِض الصِّيام (إِذَا كَانَ الرَّجُلُ صَائِمًا، فَحَضَرَ الإِفْطَارُ، فَنَامَ قَبْلَ أَنْ يُفْطِرَ لَمْ يَأْكُلْ لَيْلَتَهُ وَلَا يَوْمَهُ حَتَّى يُمْسِيَ) وفي رواية زهيرٍ عند النَّسائيِّ: كان إذا نام قبل أن يتعشَّى لم يحلَّ له أن يأكل شيئًا ولا يشرب ليلته ويومه حتَّى تغرب الشَّمس، ولأبي الشَّيخ من طريق زكريَّا بن أبي زائدة عن أبي إسحاق: كان المسلمون إذا أفطروا يأكلون ويشربون ويأتون النِّساء ما لم يناموا، فإذا ناموا لم يفعلوا شيئًا من ذلك إلى مثلها، وقد بيَّن السُّدِّيُّ أنَّ هذا الحكم كان على وَفْقِ ما كُتِب على أهل الكتاب كما أخرجه ابن جريرٍ من طريق السُّدِّيِّ بلفظ [1]: كُتِب على النَّصارى الصِّيام، وكُتِب عليهم ألَّا يأكلوا ولا يشربوا ولا ينكحوا بعد النَّوم، وكُتِب على المسلمين أوَّلًا مثل ذلك (وَإِنَّ قَيْسَ بْنَ صِرْمَةَ) بكسر الصَّاد المهملة وسكون الرَّاء (الأَنْصَارِيَّ) قال في «الإصابة»: ووقع عند أبي داود من هذا الوجه: صرمة بن قيسٍ، وفي رواية النَّسائيِّ: أبو قيس بن عمرٍو، فإنْ حُمِلَ هذا الاختلاف على تعدُّد أسماء [2] من وقع له ذلك، وإلَّا فيمكن الجمع بردِّ جميع الرِّوايات إلى واحدٍ، فإنَّه قيل فيه: صرمة بن قيسٍ وصرمة بن مالكٍ وصرمة بن أنسٍ [3] وصرمة ابن أبي أنسٍ، وقيل فيه: قيس بن صرمة وأبو قيس بن صرمة [4] وأبو قيس بن عمرٍو، فيمكن أن يُقال: إن كان اسمه صرمة بن قيسٍ؛ فمن قال فيه: قيس بن صرمة قَلَبَهُ، وإنَّما اسمه: صرمة، وكنيته أبو قيسٍ أو العكس، وأمَّا أبوه فاسمه قيس أو صرمة _على ما تقرَّر من القلب_ وكنيته أبو أنسٍ، ومن قال فيه: أنسٌ حذف أداة الكنية، ومن قال فيه: ابن مالكٍ نسبه إلى جدٍّ له، والعلم عند الله تعالى (كَانَ صَائِمًا، فَلَمَّا حَضَرَ الإِفْطَارُ أَتَى امْرَأَتَهُ) لم تُسَمَّ (فَقَالَ لَهَا: أَعِنْدَكِ طَعَامٌ؟) بهمزة الاستفهام وكسر الكاف (قَالَتْ: لَا، وَلَكِنْ أَنْطَلِقُ فَأَطْلُبُ لَكَ) وظاهره: أنَّه لم يجئ معه بشيٍء، لكن في مُرسَل السُّدِّيِّ: أنَّه أتاها بتمرٍ، فقال: استبدلي به طحينًا واجعليه سخينًا [5]؛ فإنَّ التَّمر أحرق جوفي، وفي مُرسَل ابن أبي ليلى: فقال لأهله: أطعموني، فقالت: حتَّى أجعل لك شيئًا سخينًا [6]، ووصله أبو داود من طريق ابن أبي ليلى [7](وَكَانَ يَوْمَهُ) بالنَّصب (يَعْمَلُ) أي: في أرضه كما صرَّح به أبو داود في روايته (فَغَلَبَتْهُ عَيْنَاهُ) فنام (فَجَاءَتْهُ امْرَأَتُهُ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيْهَنِيِّ: ((عينه فجاءت امرأته)) بالإفراد، وحذف الضَّمير من «فجاءته» (فَلَمَّا رَأَتْهُ) نائمًا (قَالَتْ: خَيْبَةً لَكَ) حرمانًا، منصوبٌ على أنَّه مفعولٌ مطلقٌ حُذِف عامله وجوبًا، قال بعض النُّحاة: إذا كان بدون لامٍ وجب نصبه، أو معها جاز النَّصب، وفي مُرسَل السُّدِّيِّ: فأيقظته فكره أن يعصي الله وأبى أن يأكل، وزاد في رواية أحمد هنا: فأصبح صائمًا (فَلَمَّا انْتَصَفَ النَّهَارُ غُشِيَ عَلَيْهِ، فَذُكِرَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) بضمِّ الذَّال وكسر الكاف مبنيًّا للمفعول، وزاد الإمام أحمد وأبو داود والحاكم من طريق عبد الرَّحمن بن أبي ليلى عن معاذ بن جبلٍ: وكان عمر قد أصاب النِّساء بعدما نام، ولابن جريرٍ وابن أبي حاتمٍ من طريق عبد الله بن كعب بن مالكٍ عن أبيه قال: كان النَّاس في رمضان إذا صام الرَّجل فأمسى فنام حَرُم عليه الطَّعام والشَّراب والنِّساء حتَّى يفطر من الغد، فرجع عمر من عند النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم وقد سمر عنده، فأراد امرأته فقالت: إنِّي قد نمت، قال [8]: ما نمت ووقع عليها، وصنع كعب بن مالكٍ مثل ذلك (فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: {أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ}) التي تصبحون منها صائمين ({الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ} [البقرة: 187] فَفَرِحُوا بِهَا فَرَحًا شَدِيدًا وَنَزَلَتْ) ولابن عساكر: ((فنزلت)) بالفاء بدل الواو ({وَكُلُوا وَاشْرَبُوا}) جميع اللَّيل ({حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ}) بياض الصُّبح ({مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ} [البقرة: 187] ) من سواد اللَّيل، قال الكرمانيُّ: لمَّا صار الرَّفث _وهو الجماع هنا_ حلالًا بعد أن كان حرامًا كان الأكل والشُّرب بطريق الأَولى؛ فلذلك فرحوا بنزولها وفهموا منها الرُّخصة، هذا وجه مطابقة ذلك لقصَّة
ج3ص361
أبي [9] قيسٍ، ثمَّ لمَّا كان حِلُّهما [10] بطريق المفهوم نزل بعد ذلك قوله تعالى: {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا} ليُعلَم بالمنطوق تسهيل الأمر عليهم تصريحًا [11]، أو المرادُ نزولُ الآية بتمامها، قال في «فتح الباري»: وهذا هو المعتمد، وبه جزم السُّهيليُّ، وقال: إنَّ الآية نزلت في الأمرين معًا، فقدَّم ما يتعلَّق بعمر رضي الله عنه لفضله. انتهى. ووقع في رواية أبي داود: فنزلت {أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ} [12] إلى قوله: {مِنَ الْفَجْرِ} فهذا يبيِّن أنَّ محلَّ قوله: «ففرحوا بها» بعد قوله: {الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ} وقد وقع ذلك صريحًا في رواية زكريَّا بن أبي زائدة، ولفظه: فنزلت: {أُحِلَّ لَكُمْ} إلى قوله: {مِنَ الْفَجْر} ففرح المسلمون بذلك.
وهذا الحديث أخرجه أبو داود في «الصَّوم»، والتِّرمذيُّ في «التَّفسير».
ج3ص362


[1] «بلفظ»: ليس في (د).
[2] «أسماء»: ليس في (ص).
[3] «وصرمة بن أنسٍ»: مثبتٌ من (ب) و(س).
[4] «وأبو قيس بن صرمة»: سقط من (د).
[5] في هامش (ص): (قوله: «واجعليه سخينًا» أي: حارًّا؛ ففي «القاموس»: ماءٌ سخينٌ؛ كأَمِيرٍ وسكِّينٍ ومُعظَّمٍ، وسُخاخين؛ بالضَّمِّ، ولا «فُعَاعيل» غيرُه: حارٌّ). انتهى.
[6] في (ص) و(م): «سخنًا».
[7] في النُّسخ كلِّها: «ابن أبي داود». وفي هامش (ص): (قوله: «من طريق ابن أبي داود» كذا بخطِّه، والذي في «الفتح» و«العينيِّ»: ووصله أبو داود من طريق ابن أبي ليلى قال: حدَّثنا أصحاب محمَّدٍ). انتهى.
[8] في (ب) و(س): «فقال».
[9] «أبي»: ليس في (د).
[10] في (م): «حكمهما»، وهو تحريفٌ.
[11] في (د): «صريحًا».
[12] «الرَّفث»: ليس في (د).