إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

حديث: قال الله: كل عمل ابن آدم له إلا الصيام

1904- وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى) بن يزيد التَّميميُّ الفرَّاء الرَّازي الصَّغير قال: (أَخْبَرَنَا هِشَامُ بْنُ يُوسُفَ) الصَّنعانيُّ اليمانيُّ قاضيها (عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ) عبد الملك (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (عَطَاءٌ) هو ابن أبي رباح (عَنْ أَبِي صَالِحٍ) ذكوان (الزَّيَّاتِ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: قَالَ اللهُ) عزَّ وجلَّ: (كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ) فيه حظٌّ ومدخلٌ لاطِّلاع النَّاس عليه، فهو يتعجَّل به ثوابًا من النَّاس ويحوز به حظًّا من الدُّنيا، وزاد في روايةٍ: «كلُّ عملِ ابن آدم يُضاعَف، الحسنةُ بعشر أمثالها إلى سبع مئة ضعفٍ» (إِلَّا الصِّيَامَ فَإِنَّهُ) خالصٌ (لِي) لا يعلم ثوابه المترتِّب عليه غيري، أو وصفٌ من أوصافي لأنَّه يرجع إلى صفة الصَّمديَّة لأنَّ الصَّائم لا يأكل ولا يشرب، فتخلَّق باسمه [1] الصَّمد، أو أنَّ كلَّ عمل ابن آدم مضافٌ له لأنَّه فاعله، إلَّا الصَّوم فإنَّه مضافٌ لي لأنِّي خالقه له على سبيل التَّشريف والتَّخصيص، فيكون كتخصيص آدم بإضافته إليه أن خلقه بيده، وكلُّ مخلوقٍ بالحقيقة مضافٌ إلى الخالق، لكنَّ إضافة التَّشريف خاصَّةٌ بمن شاء الله أن يخصَّه بها [2]، أو كأنَّه تعالى يقول: هو لي، فلا يشغلك ما هو لك عمَّا هو لي، ولأنَّ فيه مجمع العبادات لأنَّ مدارها على الصَّبر والشُّكر وهما حاصلان فيه [3]، ولمَّا كان ثواب الصِّيام لا يحصيه إلَّا الله تعالى لم يَكِلْه الله تعالى إلى ملائكته [4]، بل تولَّى جزاءه [5] تعالى بنفسه، قال: (وَأَنَا أَجْزِي بِهِ) بفتح الهمزة، وفيه دلالةٌ على أنَّ ثواب الصَّوم أفضل من سائر الأعمال لأنَّه تعالى أسند إعطاء [6] الجزاء إليه وأخبر أنَّه يتولَّى ذلك بنفسه [7]، والله تعالى إذا تولَّى شيئًا بنفسه دلَّ على عظم ذلك الشَّيء وخطر قدره، وهذا كما رُوِي: أنَّ من أدمن قراءة آية الكرسيِّ عقب كلِّ صلاةٍ فإنَّه لا يتولَّى قبض روحه إلَّا الله تعالى.
(وَالصِّيَامُ جُنَّةٌ) وقايةٌ من المعاصي ومن النَّار (وَإِذَا كَانَ يَوْمُ صَوْمِ أَحَدِكُمْ فَلَا يَرْفَثْ) بتثليث الفاء وآخره ثاءٌ مثلَّثةٌ: لا يفحش في الكلام (وَلَا يَصْخَبْ) بالصَّاد المهملة والخاء المعجمة [8] المفتوحة، ويجوز إبدال الصَّاد سينًا، أي: لا يَصِحْ ولا يخاصم (فَإِنْ سَابَّهُ أَحَدٌ) وزاد سعيد بن منصورٍ من طريق سهيلٍ [9]: أو مَارَاهُ؛ يعني: جادله (أَوْ قَاتَلَهُ) يعني: إن [10] تهيَّأ أحدٌ لمشاتمته أو مقاتلته (فَلْيَقُلْ) له بلسانه: إنِّي صائمٌ [11] ليكفَّ خصمه عنه، أو بقلبه ليكفَّ هو عن خصمه، ورجَّح الأوَّلَ النَّوويُّ في «الأذكار»، وبالثَّاني: جزم المتولِّي، ونقله الرَّافعيُّ عن الأئمَّة، وتُعقَّب بأنَّ القول حقيقةً إنَّما هو باللِّسان، وأُجيب بأنَّه لا يمتنع المجاز، وقال النَّوويُّ في «المجموع»: كلٌّ منهما حسنٌ، والقول باللِّسان أقوى، ولو جمعهما لكان حسنًا، قال في «الفتح»: ولهذا التَّردُّد أتى البخاريُّ بقوله [12] في ترجمته لهذا [13] الباب بالاستفهام فقال: هل يقول: إنِّي صائمٌ إذا شُتِم؟ وقال الرُّويانيُّ: إن كان رمضان فليقل بلسانه، وإن كان غيره فليقل في نفسه: (إِنِّي امْرُؤٌ صَائِمٌ) قال في الرِّواية السَّابقة في «باب فضل الصَّوم» [خ¦1894] «مرَّتين» (وَ) الله (الَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَخُلُوفُ) بضمِّ الخاء على الصَّواب، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيْهَنِيِّ: ((لَخُلُف)) بضمِّ الخاء واللَّام وحذف الواو، جمع خِلفةٍ بالكسر، أي: تغيُّر رائحة (فَمِ الصَّائِمِ) لخلاء معدته من الطَّعام، ولأبي ذرٍّ في نسخةٍ: ((في الصَّائم)) بغير ميم بعد الفاء (أَطْيَبُ عِنْدَ اللهِ) يوم القيامة كما في «مسلمٍ»، أو في الدُّنيا لحديث: «فإنَّ خلوف أفواههم حين يُمْسُون أطيب عند الله» (مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ) وفيه: إشارةٌ إلى أنَّ رتبة الصَّوم عليَّةٌ على غيره لأنَّ مقام العِنديَّة في الحضرة القدسيَّة [14] أعلى المقامات السَّنيَّة، وإنَّما كان الخُلُوف أطيب عند الله من ريح المسك لأنَّ الصَّوم من أعمال السِّرِّ التي بين الله تعالى وبين عبده، ولا يطَّلع على صحَّته غيره، فجعل الله رائحة صومه تنمُّ عليه في المحشر بين النَّاس، وفي ذلك إثباتُ الكرامة والثَّناء الحسن له، وهذا كما قال عليه الصلاة والسلام في المُحْرِم [خ¦1265] «فإنَّه يُبعَث يوم القيامة ملبِّيًا»، وفي الشَّهيد: «يُبعَث وأوداجه تشخب دمًا تشهد له بالقتل في
ج3ص354
سبيل الله، ويُبعَث الإنسان على ما عاش عليه»، قال السَّمرقنديُّ: يُبعَث الزَّامر وتتعلَّق زمَّارته في يده [15]، فيلقيها [16]، فتعود إليه [17] ولا تفارقه، ولمَّا كان الصَّائم يتغيَّر فمه بسبب العبادة في الدُّنيا والنُّفوس تكره الرَّائحة الكريهة في الدُّنيا جَعَلَ الله تعالى رائحة فم الصَّائم [18] عند الملائكة أطيب من ريح المسك في الدُّنيا، وكذا في الدَّار الآخرة، فَمَنْ عَبَدَ اللهَ تعالى وطلبَ رضاه في الدُّنيا فنشأ من عمله آثارٌ مكروهةٌ في الدُّنيا فإنَّها محبوبةٌ له تعالى وطيَّبةٌ عنده لكونها نشأت عن طاعته واتِّباع مرضاته؛ ولذا [19] كان دم الشَّهيد ريحُه يوم القيامة كريح المسك، وغبار المجاهدين في سبيل الله ذريرة أهل الجنَّة كما ورد في حديثٍ مُرسَلٍ.
(لِلصَّائِمِ فَرْحَتَانِ) خبرٌ مُقدَّمٌ ومبتدأٌ مُؤخَّرٌ (يَفْرَحُهُمَا) أي: يفرح بهما فحُذِف الجارُّ توسُّعًا كقوله تعالى [البقرة: 185] {فَلْيَصُمهُ} أي: فيه (إِذَا أَفْطَرَ فَرِحَ) زاد مسلمٌ: «بفطره» أي: لزوال جوعه وعطشه حيث أُبيح له الفطر، وهذا الفرح الطَّبيعيُّ، أو من حيث إنَّه تمام صومه وخاتمة عبادته، وفرح كلِّ أحدٍ بحسبه لاختلاف مقامات النَّاس في ذلك (وَإِذَا لَقِيَ رَبَّهُ) عزَّ وجلَّ (فَرِحَ بِصَوْمِهِ) أي: بجزائه وثوابه، أو بلقاء ربِّه، وعلى الاحتمالين فهو مسرورٌ بقبوله.
ج3ص355


[1] في (ب) و(س): «باسم».
(1)[2] في هامش (ص): (حاشيةٌ بخطِّ المؤلِّف ولم يصحح عليها: أو أنَّه تعالى يقول: «هو لي فلا يشغلك ما هو لك عمَّا هو لي» ولأنَّ فيه مجمع العبادات لأنَّ مدارها على الصَّبر والشُّكر، وهما حاصلان فيه).
(1)[3] قوله: «أو كأنَّه تعالى يقول: هو لي... الصَّبر والشُّكر وهما حاصلان فيه »: مثبتٌ من (ب) و(س).
[4] في (د1): «الملائكة».
[5] زيد في (د): «الله».
[6] في (د): «عطاء».
[7] «بنفسه»: ليس في (د).
[8] «المعجمة»: ليس في (د).
[9] في (د): «سهل»، وهو تحريفٌ.
[10] «إنْ»: ليس في (د).
[11] «إنِّي صائمٌ»: مثبتٌ من (ب) و(س).
[12] «بقوله»: ليس في (س).
[13] في غير (ب) و(س): «في ترجمة هذا».
[14] في غير (د) و(ص): «المقدسيَّة»، وفي هامش (ص): (قوله: «في الحضرة القدسيَّة...» إلى آخره، ونحوه: «سبحانك حيث كنت» ليس المراد به المكان الحقيقيَّ لتنزُّهه تعالى عن أن تحويه حضرةٌ أو مكانٌ أو زمانٌ أو يتوقَّف وجوده على أحدهما، بل جميع ما ورد في نحوه مصروفٌ عن ظاهره، وإنَّما يُذكَر للتَّقريب على الفهم، كما أنَّه لا نعقل وجود شيءٍ إلَّا بتصوُّر زمانٍ أو مكانٍ، والمراد هنا: أنَّه مُنَزَّهٌ في جميع الصِّفات والأحوال التي هو عليها قبل الزَّمان والمكان وبعدهما، ولمَّا عبر عن تلك الأحوال بلفظ الحضرة ولفظ «حيث» كان تجوُّزًا على سبيل التَّشبيه لتلك الأحوال بالمكان والزَّمان الذي لا توجد الحوادث إلَّا فيهما مع القطع بانتفائهما عنه سبحانه وتعالى. انتهى لشيخنا العلَّامة أبي الضِّياء والنُّور الشَّيخ عليٍّ الشبراملسيِّ على جواب سؤالٍ عن حديث: «سبحانك حيث كنت»). انتهى. وفي هامش (ص): (وكتب العلَّامة الشَّيخ يحيى المغربيُّ قوله: الحضرة القدرة القدسيَّة: هي حضرة الحقِّ سبحانه وتعالى يحصل للعبد الوصول بما علم من قطع العلائق؛ لتنكشف له الحقائق، والعنديَّة عنديَّةُ قربٍ، والقرب من الله تعالى الوصول إلى رتبةٍ يرضاها بحسب كلِّ عبدٍ وما فتح له، حتَّى إنَّ بعض المتمكِّنين كان يقول: الرُّكون إلى برد الرِّضا أصعب على العبد من الأشياء المسخطة). انتهى من خطِّه.
[15] في (د): «بيده».
[16] في (ب): «فيقلبها».
[17] في غير (د) و(س): «عليه».
[18] في (د): «رائحة فمه».
[19] في (ب) و(س): «ولذلك».