إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

كتاب الصوم

(بِسْمِ اللهِ الرَّحَمْنِ الرَّحِيمِ) كذا في فرع «اليونينيَّة»، وفي غيرها [1]: بتقديم البسملة على لفظ: «كتاب» [2]، وفي رواية النَّسفيِّ_كما في «فتح الباري»_: ((كتاب الصِّيام)) بكسر الصَّاد والياء بدل الواو، وهما مصدران لـ «صَامَ»، وثبتت البسملة للجميع، وذكرُ الصَّوم متأخِّرًا عن الحجِّ أنسبُ من ذكره عقب الزَّكاة لاشتمال كلٍّ منهما على بذل المال، فلم يبق للصَّوم موضعٌ إلَّا الأخير، وهو ربع الإيمان لقوله صلى الله عليه وسلم: «الصَّوم نصف الصَّبر»، وقوله: «الصَّبر نصف الإيمان»، وشرعه سبحانه لفوائد أعظمها: كسر النَّفس وقهر الشَّيطان، فالشِّبع نهرٌ في النَّفس يَرِدُه الشَّيطان، والجوع نهرٌ في الرُّوح تَرِدُه الملائكة، ومنها: أنَّ الغنيَّ يعرف قدر نعمة الله تعالى عليه بإقداره على ما مُنِع منه كثيرٌ من الفقراء من فضول الطَّعام والشَّراب والنِّكاح، فإنَّه بامتناعه من ذلك في وقتٍ مخصوصٍ وحصول المشقَّة له بذلك يتذكر به [3] من مُنِع ذلك
ج3ص343
على الإطلاق، فيوجب له ذلك شكر [4] نعمة الله تعالى عليه بالغنى، ويدعوه إلى رحمة أخيه المحتاج ومواساته بما يمكن من ذلك.
وهو لغةً: الإمساك، ومنه قوله تعالى حكايةً عن مريم عليها السَّلام: {إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا} [مريم: 26] أي: إمساكًا وسكوتًا عن الكلام، وقول النَّابغة: [من البسيط]
~خيلٌ صيامٌ وخيلٌ غيرُ صائمةٍ تَحْتَ العَجاجِ وأخرى تعلِكُ اللُّجُما
وشرعًا: إمساكٌ عن المفطر [5] على وجهٍ مخصوصٍ، وقال الطِّيبيُّ: إمساك المُكلَّف بالنِّيَّة من الخيط الأبيض إلى الخيط الأسود عن تناول الأطيبين والاستمناء والاستقاء، فهو وصفٌ سلبيٌّ [6]، وإطلاق العمل عليه تجوُّزٌ.
ج3ص344


[1] في (د): «غيره».
[2] «على لفظ: كتاب»: ليس في (د) و(س).
[3] «يتذكَّر به»: ليس في (م).
[4] في (د): «ذكر».
[5] في (د): «المفطرات».
[6] في هامش (ص): (قوله: «فهو وصفٌ سلبيٌّ» هذا لا ينافي ما سيأتي قريبًا في «باب من لم يدع قول الزُّور» [خ¦1903] نقلًا عن السُّبكيِّ؛ إذ الصَّوم ليس بعدمٍ محضٍ لاشتراط النِّيَّة فيه بالإجماع). انتهى عجمي.