إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

حديث: خذوا من العمل ما تطيقون فإن الله لا يمل حتى تملوا

1970- وبه قال: (حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ فَضَالَةَ) بفتح الفاء والضَّاد المعجمة، قال: (حَدَّثَنَا هِشَامٌ) الدَّستوائيُّ (عَنْ يَحْيَى) بن أبي كثيٍر (عَنْ أَبِي سَلَمَةَ) بن عبد الرَّحمن (أَنَّ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا حَدَّثَتْهُ قَالَتْ: لَمْ يَكُنِ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَصُومُ شَهْرًا أَكْثَرَ مِنْ شَعْبَانَ، فَإِنَّهُ كَانَ يَصُومُ شَعْبَانَ كُلَّهُ) واستُشكِل هذا مع قوله في الرِّواية الأولى [خ¦1969] «وما رأيته أكثر صيامًا منه في شعبان» وأُجيب بأنَّ الرِّواية الأولى مفسِّرةٌ لهذه ومبيِّنةٌ بأنَّ المرادَ بـ «كلَّه» غالبُه، وقيل: كان يصومه كلَّه في وقتٍ، وبعضه في آخر، وقيل: كان يصوم تارةً من أوَّله، وتارةً من وسطه، وتارةً من آخره، ولا يترك منه شيئًا بلا صيامٍ، لكن في أكثر من سنةٍ؛ كذا قاله غير واحدٍ كالزَّركشيِّ،
ج3ص401
وتعقَّبه في «المصابيح» بأنَّ الثَّلاثة كلُّها ضعيفةٌ، فأمَّا الأوَّل فلأنَّ إطلاق الكلِّ على الأكثر مع الإتيان به توكيدًا [1] غير معهود. انتهى. وقد نقل التِّرمذيُّ عن ابن المبارك أنَّه [2] قال: جائز في كلام العرب إذا صام أكثر الشَّهر أن يقول [3]: صام الشَّهر كله، ويُقال: قام فلانٌ ليلَه [4] أجمع، ولعلَّه قد تعشَّى واشتغل ببعض أمره، قال التِّرمذيُّ: كأنَّ ابن المبارك جمع بين الحديثين بذلك، فالمراد بالكلِّ الأكثرُ، وهو مجازٌ قليل الاستعمال، واستبعده أيضًا فقال: كلُّ تأكيدٍ [5] لإرادة الشُّمول ودفع [6] التَّجوُّز من احتمال البعض فتفسيره بالبعض منافٍ له. انتهى. وقد تعقَّبه أيضًا [7] الحافظ زين الدِّين العراقيُّ: بأنَّ في حديث أمِّ سلمة عند التِّرمذيِّ قالت: «ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصوم شهرين متتابعين إلَّا شعبان ورمضان» فعطف «رمضان» عليه يبعد أن يكون المراد بشعبان أكثره؛ إذ لا جائز أن يكون المراد برمضان بعضه، والعطف يقتضي المشاركة فيما عُطِف عليه، وإن مشى ذلك فإنَّما يمشي على رأي من يقول: إنَّ اللَّفظ الواحد يُحمَل على حقيقته ومجازه، وفيه خلافٌ لأهل الأصول [8]. قال في «عمدة القاري»: ولا يمشي هنا ما قاله على رأي البعض أيضًا لأنَّ من قال ذلك قاله في اللَّفظ الواحد، وهنا لفظان: شعبان ورمضان. انتهى. فليُنظَر هذا مع قول ابن المبارك: إنَّه جائزٌ في كلام العرب، قال في «المصابيح»: وأمَّا الثَّاني فلأنَّ قولها «كان يصوم شعبان كلَّه» يقتضي تكرار الفعل، وأنَّ ذلك عادةٌ له على ما هو المعروف في مثل هذه العبارة. انتهى. واختُلِف في دلالة «كان» على التِّكرار، وصحَّح ابن الحاجب: أنَّها تقتضيه، قال: وهذا استفدناه من قولهم: كان حاتمٍ يقري الضَّيف، وصحَّح الإمام فخر الدِّين في «المحصول»: أنَّها لا تقتضيه لا لغةً ولا عرفًا، وقال النَّوويُّ في «شرح مسلمٍ»: إنَّه المختار الذي عليه الأكثرون والمحقِّقون من الأصوليِّين، وذكر ابن دقيق العيد: أنَّها تقتضيه عرفًا. انتهى. قال في «المصابيح»: وأمَّا الثَّالث فلأنَّ أسماء الشُّهور إذا ذُكِرت غير مضافٍ إليها لفظ «شهرٍ» كان العمل عامًّا لجميعها، لا تقول: سرت المُحرَّم وقد سرت بعضًا منه، ولا تقول: صمت رمضان وإنَّما صمت بعضه، فإن أضفت الشَّهر إليه لم يلزم [9] التَّعميم، هذا مذهب سيبويه وتبعه عليه غير واحدٍ، قال الصَّفَّار: ولم يخالف في ذلك إلَّا الزَّجَّاج، ويمكن أن يُقال: إنَّ قولها: «وما رأيته أكثر صيامًا منه في شعبان» لا ينفي صيامه لجميعه، فإنَّ المرادَ أكثريَّةُ صيامه فيه على صيامه في غيره من الشُّهور التي لم يُفرَض فيها الصَّوم، وذلك صادقٌ بصومه [10] لكلِّه [11] لأنَّه إذا صامه جميعه صدق أنَّ الصَّوم الذي أوقعه فيه أكثر من الصَّوم الذي أوقعه في غيره؛ ضرورة أنَّه لم يَصُمْ غيره مما عدا رمضان كاملًا، وأمَّا قولها: «لم يستكمل صيام شهرٍ إلَّا رمضان» فيحمل على الحذف، أي: إلَّا رمضان وشعبان، بدليل قولها في الطَّريق الأخرى: «فإنَّه كان يصوم شعبان كلَّه»، وحذفُ المعطوف والعاطف جميعًا ليس بعزيزٍ في كلامهم، ففي التَّنزيل: {لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ} [الحديد: 10] أي: ومن أنفق من بعده، وفيه: {سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ} [النَّحل: 81] أي: والبرد، قال: ويمكن الجمع بطريقٍ أخرى؛ وهي أن يكون قولها: «وكان يصوم شعبان كلَّه» محمولًا على حذف أداة الاستثناء والمستثنى، أي: إلَّا قليلًا منه، ويدلُّ عليه حديث عبد الرَّزَّاق بلفظ: «ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم أكثر صيامًا منه في شعبان، فإنَّه كان يصومه كلَّه إلَّا قليلًا»، فإن قلت: قد ورد في حديث مسلمٍ: «أنَّ أفضل الصِّيام بعد رمضان المُحرَّم»، فكيف أكثر عليه الصلاة والسلام منه في شعبان دون المُحرَّم؟ أُجيب باحتمال أنَّه صلى الله عليه وسلم لم يعلم فضل المُحرَّم إلَّا في آخر حياته قبل التَّمكُّن من صومه، أو لعلَّه كان يعرض له فيه أعذارٌ تمنع من إكثار الصَّوم فيه.
(وَكَانَ) عليه الصلاة والسلام (يَقُولُ: خُذُوا مِنَ الْعَمَلِ مَا تُطِيقُونَ) المداومةَ عليه بلا ضررٍ (فَإِنَّ اللهَ) عزَّ وجلَّ (لَا يَمَلُّ) بفتح الياء التَّحتيَّة والميم، قال النَّوويُّ: الملل: السَّآمة، وهو بالمعنى المتعارف في حقِّنا محالٌ في حقِّ الله تعالى فيجب تأويله، فقال المحقِّقون: أي: لا يعاملكم معاملة الملل فيقطع عنكم ثوابه وفضله ورحمته (حَتَّى تَمَلُّوا) بفتح الأوَّل والثَّاني، أي: تقطعوا أعمالكم، وقال الكرمانيُّ: هو إطلاقٌ مجازيٌّ عن ترك الجزاء،
ج3ص402
وقال بعضهم: معناه: لا تتكلَّفوا حتَّى تملُّوا، فإنَّ الله جلَّ جلاله مُنزَّهٌ عن الملالة، ولكنَّكم تَمَلُّون قبول فيض الرَّحمة (وَأَحَبُّ الصَّلَاةِ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) ولابن عساكر: ((وأحبُّ الصَّلاة إلى الله)) (مَا دُووِمَ عَلَيْهِ) بضمِّ الدَّال وسكون الواو الأولى وكسر الثَّانية مبنيًّا للمفعول من المداومة من «باب المفاعلة»، وفي نسخةٍ: ((ما دِيم)) مبنيًّا للمفعول أيضًا من «دام»، والأوَّل من «داوم» (وَإِنْ قَلَّتْ، وَكَانَ إِذَا صَلَّى صَلَاةً دَاوَمَ عَلَيْهَا) وفي الإدامة والمواظبة فوائدُ؛ منها: تخلُّق النَّفس واعتيادها، ولله درُّ القائل: [من الطويل]
~هي النَّفس ما عوَّدتها تتعوَّدُ . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
والمواظب يتعرَّض لنفحات الرَّحمة، قال عليه الصلاة والسلام: «إنَّ لربِّكم في أيَّام دهركم نفحاتٍ، ألا فتعرَّضوا لها».
ج3ص403


[1] في (ص): «تأكيدًا».
[2] «أنه»: ليس في (د).
[3] في (ب) و(س): «يُقال».
[4] في غير(ب) و(س): «ليلته».
[5] في (ب) و(س): «توكيدٍ».
[6] في (ب) و(س): «ورفع».
[7] «أيضًا»: ليس في (د).
[8] في (م): «الفصول»، ولعلَّه تحريفٌ.
[9] في (د): «يلزمه».
[10] في (د): «بصوم».
[11] في (د) و(س): «كلَّه».