إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

حديث: من استطاع الباءة فليتزوج

1905- وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا عَبْدَانُ) لقب عبد الله بن عثمان بن جبلة الأزديُّ العتكيُّ المروزيُّ البصريُّ الأصل (عَنْ أَبِي حَمْزَةَ) بحاءٍ مهملةٍ وزايٍ محمَّد بن ميمونٍ السُّكَّريِّ (عَنِ الأَعْمَشِ) سليمان بن مهران (عَنْ إِبْرَاهِيمَ) النَّخعيِّ (عَنْ عَلْقَمَةَ) بن قيسٍ النَّخعيِّ أنَّه (قَالَ: بَيْنَا) بغير ميمٍ (أَنَا أَمْشِي مَعَ عَبْدِ اللهِ) يعني: ابن مسعودٍ (رَضِيَ اللهُ عَنْهُ) وجواب «بينا» قوله [1]: (فَقَالَ [2]: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: مَنِ اسْتَطَاعَ) منكم (الْبَاءَةَ) بالمدِّ على الأفصح، لغة: الجماع، والمراد به [3] هنا ذلك، وقيل: مؤن النِّكاح، والقائل بالأوَّل ردَّه إلى معنى الثَّاني؛ إذ التَّقدير عنده: من استطاع منكم الجماع لقدرته على مؤن النِّكاح (فَلْيَتَزَوَّجْ؛ فَإِنَّهُ) أي: التَّزوُّج (أَغَضُّ) بالغين والضَّاد المعجمتين (لِلْبَصَرِ وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ) أي: الباءة لعجزه عن المؤن (فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ) وإنَّما قدَّروه [4] بذلك لأنَّ من لم يستطع الجماع لعدم شهوته لا يحتاج إلى الصَّوم لدفعها، وهذا فيه كلامٌ للنُّحاة، فقيل: من إغراء الغائب، وسهَّله تقدُّم المُغرَى به في قوله: «من استطاع منكم الباءة»، فكان كإغراء الحاضر، قاله أبو عبيدة، وقال ابن عصفورٍ: الباء زائدةٌ في المبتدأ، ومعناه الخبر لا الأمر، أي: فعليه الصَّوم، وقال ابن خروفٍ: من إغراء المخاطب، أي: أشيروا عليه بالصَّوم، فحُذفِ فعلُ الأمر، وجُعِل «عليه» عوضًا منه، وتولَّى من العمل ما كان الفعل يتولَّاه، واستتر فيه ضمير المخاطب الذي كان متَّصلًا بالفعل، ورجَّح بعضهم رأي ابن عصفورٍ بأنَّ زيادة الباء في المبتدأ أوسع من إغراء الغائب، ومن إغراء المخاطب من غير أن ينجرَّ ضميره بالظَّرف أو حرف الجرِّ الموضوع مع ما خفضه موضع فعل الأمر.
(فَإِنَّهُ) أي: فإنَّ الصَّوم (لَهُ) للصَّائم (وِجَاءٌ) [5] بكسر الواو والمدِّ [6]، أي: قاطعٌ للشَّهوة، واستُشكِل بأنَّ الصَّوم يزيد في تهييج الحرارة وذلك ممَّا يثير الشَّهوة، وأجيب بأنَّ ذلك إنَّما يكون في مبدأ الأمر، فإذا تمادى عليه واعتاده سكن ذلك، قال في «الرَّوضة»: فإن لم تنكسر به لم يكسرها بكافورٍ ونحوه، بل ينكح [7]، قال ابن الرِّفعة نقلًا عن الأصحاب: لأنَّه نوعٌ من الاختصاء.
ج3ص355


[1] «وجواب بينا قوله»: ليس في (م).
[2] في (ص): «قال».
[3] «به»: ليس في (د).
[4] في (د): «قدَّره».
[5] في هامش (ص): (قوله: «وِجاءٌ» الوِجاء _بكسر الواو والمدِّ_: رضُّ الخصيتين، أي: الصَّوم يقطع الشَّهوة وشرَّ المنيِّ كما يفعل الوِجاء، كان الظَّاهر أن يقول: ومن لم يصله بالجوع وقلَّة ما يزيد في الشَّهوة، وطغيان الماء من الطَّعام، فعدل إلى الصَّوم؛ أدبًا، جاء بمعنى: عبادة هي برأسها مطلوبةٌ). انتهى طيبيٌّ.
[6] «والمدِّ»: ليس في (د).
[7] قوله: «قال في الرَّوضة: فإن لم تنكسر به لم يكسرها بكافورٍ ونحوه، بل ينكح» ليس في (ص).