إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

حديث: كان النبي يقبل ويباشر وهو صائم

1927- وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ قَالَ: عَنْ شُعْبَةَ) بن الحجَّاج، وسقط لفظ
ج3ص367
«قال» لأبي ذرٍّ وابن عساكر، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيْهَنِيِّ: ((عن سعيدٍ)) بدل «شعبة»، قال الحافظ ابن حجرٍ: وهو غلطٌ فاحشٌ، فليس في شيوخ سليمان بن حربٍ أحدٌ اسمه سعيدٌ حدَّثه عن الحكم، وكذا وقع عند الإسماعيليِّ عن يوسف القاضي عن سليمان بن حربٍ عن شعبة (عَنِ الْحَكَمِ) ابن عُتيبة مُصغَّرًا [1] (عَنْ إِبْرَاهِيمَ) النَّخعيِّ (عَنِ الأَسْوَدِ) بن يزيد خال إبراهيم (عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُقَبِّلُ) بعض أزواجه (وَيُبَاشِرُ) بعضهنَّ، من عطف العامِّ على الخاصِّ لأنَّ المباشرة أعمُّ من التَّقبيل، والمراد: غير الجماع كما مرَّ (وَهُوَ صَائِمٌ، وَكَانَ) عليه الصلاة والسلام (أَمْلَكَكُمْ لإِرْبِهِ) بكسر الهمزة وإسكان الرَّاء في الفرع وغيره، أي: عضوه، وعنت الذَّكر خاصَّةً للقرينة الدَّالَّة عليه، ويُروَى: بفتح الهمزة والرَّاء، وقدَّمه في «فتح الباري»، وقال: إنَّه أشهر، وإلى ترجيحه أشار البخاريُّ بما أورده من التَّفسير، أي: أغلبكم لهواه وحاجته، وقال التُّورِبِشَتِيُّ: حملُ الإرْب _ساكنة [2] الرَّاء_ على العضو في هذا الحديث غير سديدٍ، لا يغترُّ به إلَّا جاهلٌ بوجوه حسن الخطاب، مائلٌ عن سنن الأدب ونهج [3] الصَّواب، وأجاب الطِّيبيُّ بأنَّها ذكرت أنواع الشَّهوة مترقِّيةً [4] من الأدنى إلى الأعلى، فبدأت بمقدِّمتها [5] التي هي القبلة، ثمَّ ثنَّت بالمباشرة من نحو المداعبة والمعانقة، وأرادت أن تعبِّر عن المجامعة، فكنَّت عنها بالإرب، وأيُّ عبارةٍ أحسن منها. انتهى. وفي «المُوطَّأ»: رواية عبيد الله: أيُّكم أملك لنفسه، وبذلك فسَّره التِّرمذيُّ في «جامعه» فقال: ومعنى «لإربه» تعني [6]: لنفسه، قال الحافظ الزِّين العراقيُّ: وهو أولى الأقوال بالصَّواب لأنَّ أولى ما فُسِّر به الغريب ما ورد في بعض طرق الحديث، وقد أشارت عائشة رضي الله عنها بقولها: «وكان أملككم لإربه» إلى أنَّه تُباح القبلة والمباشرة بغير الجماع لمن يكون مالكًا لإربه، دون من لا يأمن من الإنزال أو الجماع، وظاهره: أنَّها اعتقدت خصوصيَّة النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم بذلك، لكن ثبت عنها صريحًا إباحة ذلك؛ حيث قالت فيما سبق أوَّل الباب: يحلُّ له كلُّ شيءٍ إلَّا الجماع، فيُحمَل النَّهي هنا عنه [7] على كراهة التَّنزيه لأنَّها لا تنافي الإباحة، وفي «كتاب الصِّيام» ليوسف القاضي [8] بلفظ: سُئِلت عائشة عن المباشرة للصَّائم فكرهتها، وكان هذا هو السِّرُّ في تصدير البخاريِّ بالأثر الأوَّل عنها لأنَّه يفسِّر مرادها بما ذكرته ممَّا يدلُّ على الكراهة، ويدلُّ على أنَّها لا ترى بتحريمها ولا بكونها من الخصائص ما في «المُوطَّأ»: أنَّ عائشة بنت طلحة كانت عند عائشة، فدخل عليها زوجها وهو عبد الله بن عبد الرَّحمن بن أبي بكرٍ [9] الصِّدِّيق [10]، فقالت له عائشة: ما يمنعك أن تدنو من أهلك فتلاعبها وتقبِّلها؟ قال: أقبِّلها وأنا صائمٌ؟! قالت: نعم. ولا يخفى أنَّ محلَّ هذا مع الأمن، فإن حرك ذلك شهوةً حَرُم لأنَّ فيه تعريضًا لإفساد العبادة، ولحديث «الصَّحيحين»: «من حام حول الحمى يوشك أن يقع فيه» وروى البيهقيُّ بإسنادٍ صحيحٍ عن عائشة رضي الله عنها: أنَّه صلى الله عليه وسلم رخَّص في القبلة للشَّيخ [11] وهو صائمٌ، ونهى عنها الشَّابَّ، وقال: «الشَّيخ يملك إربه، والشَّابُّ يفسد صومه» ففهمنا من التَّعليل أنَّه دائرٌ مع تحريك الشَّهوة بالمعنى المذكور، والتَّعبير بالشَّيخ والشَّابِّ جرى على الأغلب [12] من أحوال الشُّيوخ في انكسار شهوتهم، ومن أحوال الشَّباب في قوَّة شهوتهم، فلو انعكس الأمر انعكس الحكم، ولو ضمَّ المرأة إلى نفسه بحائلٍ فأنزل لا يفطر؛ إذ لا مباشرة كالاحتلام، وخرج بالحائل ضمُّها بدونه فيبطل، ولو لمس شعرها فأنزل؛ قال في «المجموع»: قال المتولِّي: ففي فطره وجهان بناءً على انتقاض الوضوء بلمسه، ولو أنزل بلمس عضوها المبان لم يفطر، قاله في «البحر» [13].
(وَقَالَ) المؤلِّف: (قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) رضي الله عنهما ممَّا وصله ابن أبي حاتمٍ: ({مَآرِبُ} [طه: 18] ) بفتح الهمزة ممدودةً، أي: (حَاجَةٌ) بالإفراد، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيْهَنِيِّ: ((حاجاتٌ)) بالجمع، وللحَمُّويي والمُستملي: ((مأْرب)) بسكون الهمزة ((حاجةٌ)).
(قَالَ طَاوُسٌ) في تفسير قوله: ({أُولِي الإِرْبَةِ} [النُّور: 31] ) ولأبي ذرٍّ: (({غَيْرِ أُوْلِي الإِرْبَةِ})): (الأَحْمَقُ لَا حَاجَةَ لَهُ فِي النِّسَاءِ) وهذا وصله عبد الرَّزَّاق في «تفسيره»، ووقع في رواية أبي ذرٍّ هنا زيادةٌ [14] كما نبَّه عليها الحافظ ابن حجرٍ؛ وهي: ((وقال جابر بن زيدٍ أبو الشَّعثاء)) ممَّا وصله ابن أبي شيبة ((إن نظر فأمنى يتمُّ صومه)) ولا يبطل لأنَّه إنزالٌ
ج3ص368
من غير مباشرةٍ كالاحتلام، وهذا بخلاف الإنزال باللَّمس أو القبلة أو المضاجعة، فإنَّه يفسده لأنَّه إنزالٌ بمباشرةٍ.
ج3ص369


[1] «مُصغَّرًا»: مثبتٌ من (ب) و(س).
[2] في (ب) و(س): «ساكن».
[3] في (م): «منهج».
[4] في (د): «مرتقيةً».
[5] في (د): «بمقدِّماتها».
[6] في (د): «يعني»، وليس في (س).
[7] «عنه»: مثبتٌ من (ب) و(س).
[8] في هامش (ص): (قوله: «ليوسف القاضي»: هو الإمام أبو محمَّد بن يعقوب بن إسماعيل بن حمَّاد بن زيد بن درهمٍ، البصريُّ البغداديُّ صاحب «السِّير»، وُلِد سنة «208»، وُلِّيَ قضاء البصرة وواسطٍ، ومات في رمضان سنة «297هـ»). انتهى «طبقات السُّيوطيِّ».
[9] في هامش (ص): (الصِّدِّيق، وهو صائمٌ).
[10] «الصِّدِّيق»: مثبتٌ من (ب) و(س).
[11] زيد في (ص): «في القبلة»، وهو تكرارٌ.
[12] في (د): «الغالب».
[13] في (د): «الفتح»، وليس بصحيحٍ.
[14] في (د): «روايةٌ».