إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

حديث: إن الشهر يكون تسعة وعشرين يومًا

1910- وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ) الضَّحَّاك بن مخلدٍ النَّبيل (عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ) عبد الملك بن عبد العزيز (عَنْ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ صَيْفِيٍّ) بصادٍ مهملةٍ مفتوحةٍ فتحتيَّةٍ ساكنةٍ وفاءٍ اسمٌ بلفظ النِّسبة (عَنْ عِكْرِمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن الحارث المخزوميِّ (عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ) أمِّ المؤمنين (رَضِيَ اللهُ عَنْهَا: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ آلَى مِنْ نِسَائِهِ) بمدِّ الهمزة من «آلى» أي: حلف لا يدخل عليهنَّ (شَهْرًا) وفي «مسلمٍ» من حديث عائشة: «أقسم ألَّا يدخل على أزواجه شهرًا» ففيه التَّصريح بأنَّ حلفه عليه الصلاة والسلام كان على الامتناع من الدُّخول عليهنَّ شهرًا، فتبيَّن أنَّ المراد بقوله هنا: «آلى» حَلَفَ لا يَدخلُ، ولم يُرِد الحلف على الوطء، والرِّوايات يفسِّر بعضها بعضًا، فإنَّ الإيلاء في اللُّغة: مُطلَق الحلف، ويُستَعمل في عُرْف الفقهاء في حلفٍ مخصوصٍ؛ وهو الحلف على الامتناع من وطء زوجته مطلقًا أو مدَّةً تزيد على أربعة أشهرٍ، وتعديته بـ «من» في قوله: «من نسائه» تدلُّ [1] على ذلك لأنَّه راعى المعنى؛ وهو الامتناع من الدُّخول، وهو يتعدَّى بـ «من».
(فَلَمَّا مَضَى تِسْعَةٌ وَعِشْرُونَ يَوْمًا) وفي حديث عائشة عند مسلمٍ: «فلمَّا مضت تسعٌ وعشرون ليلةً دخل عليَّ [2]» واستُشكِل لأنَّ مقتضاه أنَّه دخل في اليوم التَّاسع والعشرين، فلم يكن ثمَّ شهرٌ لا على الكمال ولا على النُّقصان، وأُجيب بأنَّ المراد: تسعٌ وعشرون ليلةً بأيَّامها، فإنَّ العرب تؤرِّخ باللَّيالي وتكون الأيَّام تابعةً لها، ويدلُّ له حديث أمِّ سلمة هذا: «فلمَّا مضى تسعةٌ وعشرون يومًا» (غَدَا) بالغين المعجمة: ذهب أوَّل النهار (أَوْ رَاحَ) ذهب آخره،
ج3ص357
والشَّكُّ من الرَّاوي (فَقِيلَ لَهُ) وفي «مسلمٍ» [3] من حديث عائشة: «بدأ بي، فقلت: يا رسول الله» (إِنَّكَ حَلَفْتَ أَلَّا تَدْخُلَ) علينا (شَهْرًا، فَقَالَ) عليه الصلاة والسلام: (إِنَّ الشَّهْرَ يَكُونُ تِسْعَةً وَعِشْرِينَ يَوْمًا) ولأبي ذرٍّ: ((وعشرون)) بالرَّفع، وهذا محمولٌ عند الفقهاء على أنَّه عليه الصلاة والسلام أقسم على ترك الدُّخول على أزواجه شهرًا بعينه بالهلال وجاء ذلك الشَّهر ناقصًا، فلو تمَّ ذلك الشَّهر ولم ير الهلال فيه ليلة الثَّلاثين لمكث ثلاثين يومًا، أمَّا لو حلف على ترك الدُّخول عليهنَّ شهرًا مطلقًا، لم يبرَّ إلَّا بشهرٍ تامٍّ بالعدد.
وهذا الحديث أخرجه أيضًا في «النِّكاح» [خ¦5202]، ومسلمٌ في «الصَّوم»، والنَّسائيُّ في «عشرة النِّساء»، وابن ماجه في «الطَّلاق».
ج3ص358


[1] في غير (ب) و(س): «يدلُّ».
[2] «عليَّ»: ليس في (ب).
[3] في (د): «ولمسلمٍ».