إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

حديث: إني لأعطي الرجل وغيره أحب إلي منه

1478- وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ غُرَيْرٍ) بضمِّ الغين المعجمة وفتح الرَّاء الأولى، مُصغَّرًا، ابن الوليد بن إبراهيم بن عبد الرَّحمن بن عوفٍ، القرشيُّ المدنيُّ (الزُّهْرِيُّ) قال: (حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ ابْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبِيهِ) إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرَّحمن بن عوفٍ، الزُّهريِّ المدنيِّ، نزيل بغداد (عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ) بفتح الكاف (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمَّد بن مسلمٍ الزُّهريِّ (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (عَامِرُ بْنُ سَعْدٍ) بسكون العين (عَنْ أَبِيهِ) سعد بن أبي وقَّاصٍ رضي الله عنه (قَالَ: أَعْطَى رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَليهِ وَسَلَّم رَهْطًا) وهو دون العشرة من الرِّجال ليس فيهم امرأةٌ، وحذف مفعول «أعطى» الثَّاني ليعمَّ (وَأَنَا جَالِسٌ فِيهِمْ) في الرَّهط، والجملة حاليَّةٌ (قَالَ: فَتَرَكَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَليهِ وَسَلَّم مِنْهُمْ) أي: من الرَّهط، ولأبي ذرٍّ: ((فيهم)) (رَجُلًا) هو جُعَيل بن سراقة_ فيما ذكره الواقديُّ_ الضَّمريُّ أو الغفاريُّ أو الثَّعلبيُّ، فيما ذكره أبو موسى، وروى ابن إسحاق في «مغازيه» عن محمَّد بن إبراهيم التَّيميِّ قال: قِيلَ: يا رسول الله؛ أعطيت عُيَيْنة بن حصنٍ والأقرع بن حابسٍ مئةً مئةً وتركت جُعَيلًا، قال: «والذي نفسي بيده؛ لَجُعَيلُ بن سراقة خيرٌ من طلائع [1] الأرض مثل عُيَيْنة والأقرع، ولكنِّي أتألَّفهما وأَكِل جُعَيلًا إلى إيمانه»، وهذا مُرسَلٌ حسنٌ، لكن له شاهدٌ
ج3ص65
موصولٌ، روى الرُّويانيُّ وابن عبد الحكم في «فتوح مصر» من طريق بكر ابن سوادة عن أبي سالمٍ الجيشانيِّ عن أبي ذرٍّ: أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له: «كيف ترى جُعَيلًا؟» قلتُ [2]: مسكينًا كشكله من النَّاس، قال: «وكيف ترى فلانًا؟» قلت: سيِّدًا من السَّادات، قال: «فجُعَيلٌ خيرٌ من ملء الأرض مثل هذا»، قال: قلت: يا رسول الله؛ ففلانٌ هكذا وتصنع به ما تصنع؟! قال: «إنَّه رأس قومه فأتألَّفهم»، وإسناده صحيحٌ، وأخرجه ابن حبَّان من وجهٍ آخر عن أبي ذرٍّ، لكن لم يسمِّ جُعَيلًا، وأخرجه البخاريُّ [خ¦5091] من حديث سهل بن سعدٍ: فأبهم جُعَيلًا وأبا ذرٍّ، قاله في «الإصابة».
(لَمْ يُعْطِهِ وَهُوَ أَعْجَبُهُمْ) أي: أفضل الرَّهط وأصلحهم (إِلَيَّ) أي: في اعتقادي، قال في «المصابيح»: أضاف «أفعل» التَّفضيل إلى ضمير الرَّهط المُعطَين، وأوقعه على الرَّجل الذي لم يُعْطَ، و«أفعل» التَّفضيل إذا قُصِدت به الزِّيادة على من أُضِيف إليه _كما قاله [3] ابن الحاجب_ اشترط أن يكون منهم، وقد بيَّنا أنَّه ليس من الرَّهط ضرورة كونه لم يُعْطَ، فيمتنع كما يمتنع: «يوسف أحسن إخوته» مع إرادة هذا المعنى، والمَخلَصُ من ذلك: أعجبُ الرَّهطِ الحاضرين الذين منهمُ المُعطَى والمتروك، فإن قلت: لِمَ لا يجوز [4] أن يكون المقصود بـ «أفعل» التَّفضيل زيادةً مطلقةً، والإضافة للتَّخصيص والتَّوضيح، فينتفي المحذور، فيجوز التَّركيب؛ كما أجازوا: «يوسف أحسن إخوته» بهذا الاعتبار؛ قلت: المراد بالزِّيادة المطلقة أن يقصد تفضيله على [5] كلِّ ما سواه مطلقًا، لا على المضاف إليه وحده، وظاهرٌ أنَّ هذا المعنى غيرُ مرادٍ هنا. انتهى.
قال سعدٌ: (فَقُمْتُ إِلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَليهِ وَسَلَّم فَسَارَرْتُهُ فَقُلْتُ: مَا لَكَ عَنْ فُلَانٍ)؟ أي: أيُّ شيءٍ حصل لك أعرضت به عن فلانٍ فلا تعطيه (وَاللهِ؛ إِنِّي لأُرَاهُ مُؤْمِنًا) بضمِّ الهمزة، أي: لَأظنُّه، وفي غير الفرع: بفتح الهمزة، أي: أعلمه، قال النَّوويُّ: ولا يُضَمُّ على معنى أظنُّه؛ لأنَّه قال: غلبني ما أعلم، ولأنَّه رَاجَعَ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم مرارًا، فلو لم يكن جازمًا؛ لَمَا كرَّر المراجعة، وتُعقِّب بأنَّ «ما أعلم» معناه: ما أظنُّ؛ كقوله تعالى: {فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ} [الممتحنة: 10] والمراجعة لا تدلُّ على الجزم؛ لأنَّ الظَّنَّ يلزم اتِّباعه اتِّفاقًا، وحلف على غلبة ظنِّه (قَالَ) عليه الصلاة والسلام: (أَوْ مُسْلِمًا) بإسكان الواو على الإضراب عن قوله، والحكم بالظَّاهر؛ كأنَّه قال: بل مسلمًا، ولا تقطع بإيمانه، فإنَّ الباطن لا يطَّلع عليه إلَّا الله تعالى [6]، فالأولى أن يعبِّر بالإسلام، وليس حكمًا بعدم إيمانه، بل نهيٌ عن الحكم بالقطع به (قَالَ) سعدٌ: (فَسَكَتُّ) سكوتًا (قَلِيلًا، ثُمَّ غَلَبَنِي مَا أَعْلَمُ فِيهِ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ؛ مَا لَكَ عَنْ فُلَانٍ؟ وَاللهِ إِنِّي لأُرَاهُ) أظنُّه (مُؤْمِنًا، قَالَ) عليه الصلاة والسلام: (أَوْ مُسْلِمًا) كذا لأبي ذرٍّ، في حاشية [7] الفرع، وفيه: ((والله إنِّي لأراه مؤمنًا_ أو قال: مسلمًا_)) (قَالَ: فَسَكَتُّ) سكوتًا (قَلِيلًا، ثُمَّ غَلَبَنِي مَا أَعْلَمُ فِيهِ) ولأبي ذرٍّ: ((منه)) بالميم والنُّون بدل الفاء والياء (فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ؛ مَا لَكَ عَنْ فُلَانٍ؟ وَاللهِ إِنِّي لأُرَاهُ) أظنُّه (مُؤْمِنًا، قَالَ) عليه الصلاة والسلام: (أَوْ مُسْلِمًا) كذا لأبي ذرٍّ، ولغيره [8]: ((والله [9] إنِّي لأراه مؤمنًا _أو قال: مسلمًا_)) (يَعْنِي: فَقَالَ) وهاتان الكلمتان ساقطتان عند أبي ذرٍّ: (إِنِّي لأُعْطِي الرَّجُلَ) مفعوله الثَّاني محذوفٌ، أي: الشَّيءَ (وَغَيْرُهُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْهُ) مبتدأٌ وخبره في موضع الحال (خَشْيَةَ) نصب مفعولٍ له لقوله: «لأعطي» أي: لأجل خشية الله [10] (أَنْ يُكَبَّ) بضمِّ أوَّله وفتح الكاف (فِي النَّارِ عَلَى وَجْهِهِ).
وهذا الحديث سبق في «باب إذا لم يكن الإسلام على الحقيقة» من «كتاب الإيمان» [خ¦27]. (وَعَنْ أَبِيهِ) عطفًا على السَّابق، أي: قال يعقوب بن إبراهيم عن أبيه إبراهيم (عَنْ صَالِحٍ) هو ابن كيسان (عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي) محمَّد بن سعد بن أبي وقَّاصٍ (يُحَدِّثُ هَذَا) الحديث، ولأبي ذرٍّ: ((بهذا)) فهو مُرسَلٌ؛ لأنَّه لم يذكر سعدًا، لكن قال الكرمانيُّ: إنَّ الإشارة في قوله: «هذا» إلى قول سعدٍ، فهو متَّصلٌ (فَقَال: فِي) جملة (حَدِيثِهِ: فَضَرَبَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَليهِ وَسَلَّم بِيَدِهِ فَجَمَعَ بَيْنَ عُنُقِي وَكَتِفِي) «فجمع» بالفاء والفعل الماضي كذا في «اليونينيَّة» [11]، وفي بعض الأصول: ((بجُمْعٍ)) بالباء الجارَّة وضمِّ الجيم وسكون الميم، أي: ضرب بيده حال كونها مجموعةً، و«بينَ»: اسمٌ لا ظرفٌ؛ كقوله تعالى:
ج3ص66
{{لَقَدْ تَقَطَّعُ بَيْنُكُمْ}} [الأنعام: 94] على قراءة الرَّفع.
(ثُمَّ قَالَ) عليه الصلاة والسلام: (أَقْبِلْ) بكسر المُوحَّدة، فعل أمرٍ، من الإقبال، ولأبي ذرٍّ والأَصيليِّ: ((اِقبَلْ))؛ بفتح المُوحَّدة، فعل أمرٍ، من القبول، فهمزته همزة وصلٍ تُكسَر في الابتداء، كأنَّه لمَّا قال له ذلك؛ تولَّى ليذهب، فأمره بالإقبال؛ ليبيِّن له وجه الإعطاء والمنع (أَيْ سَعْدُ) منادًى مُفرَدٌ مبنيٌّ على الضَّمِّ، و«أي»: حرف نداءٍ (إِنِّي لأُعْطِي الرَّجُلَ) الحديث (قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ) البخاريُّ جريًا على عادته في إيراد تفسير اللَّفظة الغريبة إذا وافق ما في الحديث ما في القرآن: ({فَكُبْكِبُوا} [الشعراء: 94] ) في سورة «الشُّعراء»؛ أي [12]: (قُلِبُوا) بضمِّ القاف وكسر اللَّام وضمِّ المُوحَّدة، ولأبي ذرٍّ: ((فَكُبُّوا)) بضمِّ [13] الكاف، من الكبِّ، وهو الإلقاء على الوجه، وقوله تعالى في سورة «الملك»: ({مُكِبًّا} [الملك: 22] ) بكسر الكاف لأبي ذرٍّ [14]، يُقال: (أَكَبَّ الرَّجُلُ؛ إِذَا كَانَ فِعْلُهُ غَيْرَ وَاقِعٍ عَلَى أَحَدٍ) أي: لازمًا (فَإِذَا وَقَعَ الْفِعْلُ) أي: إذا كان متعدِّيًا (قُلْتَ: كَبَّهُ اللهُ لِوَجْهِهِ، وَكَبَبْتُهُ أَنَا) يريد أنَّ «أكبَّ» لازمٌ، و«كبَّ» متعدٍّ، وهو غريبٌ أن يكون القاصر بالهمزة والمتعدِّي بحذفها.
ج3ص67


[1] في مصادر المصنف: «طِلاع».
[2] في (د): «قال».
[3] في (د): «قال»، وكذا في مصابيح الجامع.
[4] في (م): «نسبه».
[5] في (د): «عن».
[6] «تعالى»: مثبتٌ من (ص).
[7] في (ص): «هامش».
[8] في غير (ص) و(م): «في حاشية الفرع، وفيه» بدل «ولغيره».
[9] «واللهِ»: ليس في (ص) و(م).
[10] «الله»: اسم الجلالة ليس في (س).
[11] في (د) و(م): «الفرع».
[12] «أي»: ليس في (د).
[13] في (م): «بكسر»، وليس بصحيحٍ.
[14] «بكسر الكاف لأبي ذرٍّ»: ليس في (م).