إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

باب الصدقة من كسب طيب

(8) (بَابُ الصَّدَقَةِ مِنْ كَسْبٍ طَيِّبٍ؛ لِقَوْلِهِ [1]: {وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ }) يكثِّرها وينمِّيها، وقوله: {ويُرْبِي} بضمِّ أوَّله وسكون ثانيه وتخفيف المُوحَّدة؛ كذا التَّلاوة، وفي نسخةٍ: ((ويُرَبِّي)) بفتح الرَّاء وتشديد
ج3ص14
المُوحَّدة ({وَاللهُ لَا يُحِبُّ}) لا يرتضي ({كُلَّ كَفَّارٍ}) مُصرٍّ على تحليل الحرام ({أَثِيمٍ} [البقرة: 276] ) فاجرٍ بارتكابه ({إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا}) بالله ورسله وبما جاء منه [2] ({وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ}) عطفهما [3] على الأعمِّ؛ لشرفهما [4] على سائر الأعمال الصَّالحة ({لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ}) من آتٍ ({وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} [البقرة: 277] ) على فائتٍ، ولغير أبي ذَرٍّ: (({وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ} إلى قوله: {وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ})) قال ابن بطَّالٍ: لمَّا كانت هذه الآية مشتملةً على أنَّ الرِّبا يمحقه الله لأنَّه حرامٌ؛ دلَّ ذلك على أنَّ الصَّدقة التي تُتقبَّل لا تكون من جنس الممحوق. انتهى. وقال [5] الكرمانيُّ: لفظ «الصَّدقات» وإن كان أعمَّ من أن يكون من الكسب الطَّيِّب ومن غيره، لكنَّه مُقيَّدٌ بالصَّدقات التي هي [6] من الكسب الطَّيِّب؛ بقرينة السياق: {وَلَا تَيَمَّمُوا الخَبِيثَ مِنْهُ يُنفِقُونَ} [البقرة: 267] وبهذا تحصل المناسبة بين قوله: «لا تقبل الصَّدقة إلَّا من كسبٍ طيِّبٍ» وهذه الآية، والجواب عن قول ابن التِّين: أنَّ تكثير أجر الصَّدقة ليس علَّةً؛ لكون الصَّدقة من كسبٍ طيِّبٍ، وكان الأبين أن يستدلَّ بقوله تعالى: {أَنفِقُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ} [البقرة: 267].
ج3ص15


[1] زيد في (د): «تعالى».
[2] في (د): «به».
[3] في (د) و(ص): «عطفها».
[4] في (د): «لشرفها».
[5] زيد في (ص): «ابن».
[6] «هي»: مثبتٌ من (ص).