إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

باب العرض في الزكاة

(33) (بابُ) جواز أخذ (الْعَرْضِ) بفتح العين وسكون الرَّاء، وبالضَّاد المعجمة؛ خلاف الدَّنانير والدَّراهم (فِي الزَّكَاةِ، وَقَالَ طَاوُسٌ) هو ذكوان [1] ممَّا رواه يحيى بن آدم في «كتاب الخراج» [2]: (قَالَ مُعَاذٌ) هو [3] ابن جبلٍ (رَضِيَ اللهُ عَنْهُ لأَهْلِ الْيَمَنِ: ائْتُونِي بِعَرْضٍ) بفتح العين المهملة وسكون الرَّاء، بعدها ضادٌ مُعجَمةٌ (ثِيَابٍ) بالتَّنوين، بدلٌ من «عرضٍ»، أو عطف بيانٍ، وجوَّز بعضهم: إضافة «عرضٍ» للاحقه؛ كشجرِ أراكٍ، فالإضافة بيانيَّةٌ، و«العرض»: ما عدا النَّقدين (خَمِيصٍ) بفتح الخاء المعجمة وآخره صادٌ مهملةٌ، بيانٌ لسابقه اسم جنس جمع الواحد، أي: خميصةٍ، وذكره على إرادة الثَّوب، وقال الكرمانيُّ: كساءٌ أسودُ مُربَّعٌ له علمان، والمشهور: خميس؛ بالسِّين، قال أبو عبيدٍ: هو ما طوله خمسة أذرعٍ (أَوْ لَبِيسٍ) بفتح اللَّام وكسر المُوحَّدة المُخفَّفة، «فعيلٌ» بمعنى: ملبوسٍ (فِي الصَّدَقَةِ مَكَانَ الشَّعِيرِ وَالذُّرَةِ) بضمِّ الذَّال المعجمة وتخفيف
ج3ص40
الرَّاء هو (أَهْوَنُ) أسهل (عَلَيْكُمْ) عبَّر بـ «على» دون اللَّام؛ لإرادة تسلُّط السُّهولة عليهم (وَخَيْرٌ) أي: أرفق (لأَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَليهِ وَسَلَّم بِالْمَدِينَةِ) لأنَّ مؤنة النَّقل ثقيلةٌ، فرأى الأخفَّ في ذلك خيرًا من الأثقل، وهذا [4] موافقٌ لمذهب الحنفيَّة في جواز دفع القيم في الزَّكاة وإن كان المؤلِّف كثير المخالفة لهم، لكن قاده إليه الدَّليل؛ كما قاله [5] ابن رُشَيدٍ، وهذا التَّعليق وإن كان صحيحًا إلى طاوسٍ، لكنْ طاوسٌ لم يسمع من معاذٍ، فهو منقطعٌ، نعم [6]؛ إيراد المؤلِّف له في معرض الاحتجاج يقتضي قوَّته عنده، وقد حكى البيهقيُّ عن بعضهم أنَّه قال فيه: من «الجزية» بدل «الصَّدقة»، فإن ثبت ذلك؛ فقد سقط الاحتجاج به، لكنَّ المشهورَ الأوَّلُ، أي: رواية «الصَّدقة» [7]، وقد أُجيب بأنَّ معاذًا كان يقبض منهم الزَّكاة بأعيانها غير مُقوَّمةٍ، فإذا قبضها عاوض [8] عنها حينئذٍ من شاء بما شاء [9] من العروض، ولعلَّه كان يبيع صدقة زيدٍ من عمرٍو حتَّى يخلص من كراهة بيع الصَّدقة لصاحبها، وقِيلَ: لا حجَّة في هذا على أخذ القيمة في الزَّكاة مطلقًا؛ لأنَّه لحاجةٍ عَلِمَها بالمدينة رأى المصلحة في ذلك، واستدلَّ به على نقل الزَّكاة، وأُجيب بأنَّ الذي صدر من معاذٍ كان على سبيل الاجتهاد فلا حجَّة فيه، وعُورِض بأنَّ معاذًا كان أعلم النَّاس بالحلال والحرام، وقد بيَّن له النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم لمَّا أرسله إلى اليمن ما كان يصنع.
(وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَليهِ وَسَلَّم) في حديث أبي هريرة الآتي موصولًا _إن شاء الله تعالى_ في «باب قول الله تعالى [10]: {وَفِي الرِّقَابِ}» [خ¦1468] (وَأَمَّا خَالِدٌ) هو ابن الوليد (احْتَبَسَ) أي: وقف، ولأبوي ذَرٍّ والوقت: ((فقد احتبس)) (أَدْرَاعَهُ) [11] جمع درعٍ؛ وهي الزَّرديَّة (وَأَعْتُدَهُ) بضمِّ المُثنَّاة الفوقيَّة، جمع عَتَدٍ؛ بفتحتين، ولأبي ذرٍّ: ((وأعتِده))؛ بكسر التَّاء، ولمسلمٍ: «أعتاده» جمع عَتادٍ؛ بفتح [12] العين، لكن نقل ابن الأثير عن الدَّارقطنيِّ: أنَّ أحمد صوَّب الأولى [13]، وأنَّ عليَّ ابن حفصٍ أخطأ في قوله: «أعتاده»، وصحَّف، وقال بعضهم: إنَّ أحمد إنَّما حكى عن عليِّ بن حفصٍ: «وأعتده» بالمُثنَّاة، وأنَّ الصَّواب: «وأعبده»؛ بالمُوحَّدة، لكن لا وهم مع صحَّة الرِّواية، والذي يظهر أنَّ الصَّحيح رواية: «أعتده» بالمُثنَّاة الفوقيَّة، وهو المُعَدُّ من السِّلاح والدَّوابِّ للحرب (فِي سَبِيلِ اللهِ) قال النَّوويُّ: إنَّهم طلبوا من خالدٍ زكاة أعتاده؛ ظنًّا أنَّها للتِّجارة، فقال لهم: لا زكاة عليَّ، فقالوا للنَّبيِّ صلى الله عليه وسلم: إنَّ خالدًا منع، فقال: «إنَّكم تظلمونه» لأنَّه [14] حبسها ووقفها في سبيل الله قبل الحول، فلا زكاة فيها، وفيه دليلٌ على وقف المنقول؛ خلافًا لبعض الكوفيِّين. انتهى. وقال البدر الدَّمامينيُّ: ولا أدري كيف ينتهض [15] حديثُ وقفِ خالدٍ لأدراعه [16] وأعتدهِ دليلًا للبخاريِّ على أخذ العرض في الزَّكاة، ووجَّهه غيره من حيث إنَّ أدراعه وأعتده من العرض ولولا أنَّه وقفهما لأعطاهما [17] في الزَّكاة، أو لمَا صَحَّ منه صرفهما في سبيل الله، فدخلا في أحد مصارف [18] الزَّكاة الثَّمانية، فلم يبق عليه شيءٌ، واستشكله ابن دقيق العيد بأنَّه إذا حَبَس؛ تعيَّن مصرفه من حيث التَّحبيس، فلا يكون مصرفًا من حيث الزَّكاة، ثمَّ تخلَّص من [19] ذلك باحتمال أن يكون المراد بالتَّحبيس: الإرصاد لذلك، لا الوقف، فيزول الإشكال.
(وَقَالَ [20] النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَليهِ وَسَلَّم) ممَّا وصله المؤلِّف في «العيدين» [خ¦979] من حديث ابن عبَّاسٍ رضي الله تعالى عنهما: (تَصَدَّقْنَ) أي: أدِّين صدقاتكنَّ (وَلَوْ مِنْ حُلِيِّكُنَّ) بضمِّ الحاء المهملة وكسر اللَّام وتشديد التَّحتيَّة، قال البخاريُّ: (فَلَمْ يَسْتَثْنِ) عليه الصلاة والسلام (صَدَقَةَ الْفَرْضِ مِنْ غَيْرِهَا) ولأبي ذرٍّ: ((صدقة العرض [21] ) ) بالعين المهملة [22] بدل الفاء (فَجَعَلَتِ الْمَرْأَةُ تُلْقِي خُرْصَهَا) [23] بضمِّ الخاء المعجمة وسكون الرَّاء وبالصَّاد المهملة: حلقتها التي في أذنها (وَسِخَابَهَا) بكسر السِّين المهملة بعدها خاءٌ معجمةٌ: قلادتها، قال البخاريُّ: (وَلَمْ يَخُصَّ) عليه الصلاة والسلام (الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ مِنَ الْعُرُوضِ) وموضع الدَّلالة منه في قوله: «وسِخَابها» لأنَّ السِّخاب ليس من ذهبٍ ولا فضَّةٍ، بل من [24] مسكٍ وقرنفلٍ ونحوهما، فدلَّ على أخذ القيمة في الزَّكاة، لكنَّ قوله: «ولو من حُليِّكنَّ» يدلُّ على أنَّها لم تكن صدقةً مُحدَّدةً [25] على حدِّ الزَّكاة، فلا حجَّة فيه، والصَّدقة إذا أُطلِقت حُمِلت على التَّطوُّع عُرْفًا.
ج3ص41


[1] في (د): «ابن كيسان»، وفي هامش (ص): (قوله: «هو ابن ذكوان»؛ كذا بخطِّه، وصوابه: هو ذكوان؛ كما في «التَّقريب»، وسيأتي في خطِّه على الصَّواب في باب «ما كان من خليطين»). انتهى.
[2] في (م): «الجراح»، وهو تصحيفٌ، وفي هامش (ص): (قوله: في كتاب «الخراج» بالخاء والرَّاء والجيم، وقع في خطِّه في كتاب «الجراح» بالجيم والرَّاء والحاء، ولعلَّه سبق قلمٍ). انتهى.
[3] «هو»: ليس في (د) و(م).
[4] في غير (ص) و(م): «وهو».
[5] في (د): «قال»، وليس بصحيحٍ.
[6] في (ص): «لكن».
[7] «أي: رواية الصَّدقة»: ليس في (ص) و(م).
[8] في (د): «عارض»، وهو تحريفٌ.
[9] في (د): «حينئذٍ بما يشاء».
[10] «تعالى»: ليس في (د).
[11] في (س): «أذراعه»، وهو تصحيفٌ.
[12] في (د): «بكسر»، وليس بصحيحٍ.
[13] في (د): «الأوَّل».
[14] في غير (ص) و(م): «إنَّه».
[15] في (د): «ينهض».
[16] في (ص) و(م): «لأذراعه»، وهو تصحيفٌ.
[17] في (د): «وقفها لأعطها».
[18] في غير (ص) و(م): «مصاريف».
[19] في (ص): «عن».
[20] في (م): «قاله»، وليس بصحيحٍ.
[21] في (د): «العرص»، وهو تصحيفٌ.
[22] «المهملة»: ليس في (د).
[23] في (د): «حرصها»، وهو تصحيفٌ.
[24] «من»: ليس في (د).
[25] في غير (ص) و(م): «محدودة».