إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

حديث: مررت بالربذة فإذا أنا بأبي ذر

1406- وبه قال: (حَدَّثَنَا عَلِيٌّ) غير منسوبِ؛ ولأبي ذرٍّ: ((عليُّ بن أبي هاشمٍ))، واسم أبي هاشمٍ عبيد الله اللَّيثيُّ البغداديُّ، ويُعرَف عُبيد الله بالطِّبْراخ؛ بكسر الطَّاء المهملة وسكون المُوحَّدة وآخره خاءٌ معجمةٌ أنَّه (سَمِعَ هُشَيْمًا) بضمِّ الهاء وفتح الشِّين المعجمة، ابن بُشَيرٍ _بضمِّ المُوحَّدة [1] وفتح الشِّين_ ابن القاسم بن دينارٍ قال: (أَخْبَرَنَا حُصَيْنٌ) بضمِّ الحاء وفتح الصَّاد المهملتين، أبو الهذيل (عَنْ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ) بفتح الواو، أبو [2] سليمان، الهَمْدانيِّ الجهنيِّ الكوفيِّ التَّابعيِّ الكبير أحد المخضرمين (قَالَ: مَرَرْتُ بِالرَّبَذَةِ) بفتح الرَّاء والمُوحَّدة والذَّال المعجمة؛ موضعٌ على ثلاث مراحل من المدينة [3] به قبر أبي ذرٍّ (فَإِذَا أَنَا بِأَبِي ذَرٍّ) جندب بن جنادة (رَضِيَ اللهُ عَنْهُ فَقُلْتُ لَهُ: مَا أَنْزَلَكَ مَنْزِلَكَ هَذَا)؟ وإنَّما سأله زيدٌ عن ذلك؛ لأنَّ مبغضي عثمان كانوا يشنِّعون عليه أنَّه نفى أبا ذرٍّ، وقد بيَّن أبو ذَرٍّ أنَّ نزوله في ذلك المكان إنَّما كان باختياره، كما سيأتي قريبًا _إن شاء الله تعالى_ (قَالَ) أبو ذرٍّ: (كُنْتُ بِالشَّأْمِ [4]) أي: بدمشق (فَاخْتَلَفْتُ أَنَا وَمُعَاوِيَةُ) بن أبي سفيان، وكان إذ ذاك عامل عثمان على دمشق (فِي) من نزل قوله تعالى: ({الَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللهِ} [التَّوبة: 34] قَالَ مُعَاوِيَةُ: نَزَلَتْ فِي أَهْلِ الْكِتَابِ) نظرًا إلى سياق الآية، فإنَّها نزلت في الأحبار والرُّهبان الذين لا يؤتون الزَّكاة، قال أبو ذرٍّ: (فَقُلْتُ: نَزَلَتْ فِينَا وَفِيهِمْ) نظرًا إلى عموم [5] الآية (فَكَانَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ فِي ذَلكَ) وفي نسخةٍ ((في ذاك نزاعٌ))، بل قِيلَ: إنَّه كان كثير الاعتراض عليه والمنازعة له، وكان جيش معاوية يميل إلى أبي ذَرٍّ، وكان لا يخاف في الله لومة لائمٍ (وَكَتَبَ) معاوية رضي الله عنه لمَّا خشي أن يقع بين المسلمين خلافٌ وفتنةٌ (إِلَى عُثْمَانَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ يَشْكُونِي) إمَّا بسبب هذه الواقعة الخاصَّة، أو على العموم (فَكَتَبَ إِلَيَّ عُثْمَانُ) رضي الله عنه: (أَنِ أقْدَمِ الْمَدِينَةَ) بفتح الدَّال، إمَّا فعلٌ مضارعٌ؛ فهمزته همزة قطعٍ، أو فعل أمرٍ؛ فتُحذَف في الوصل (فَقَدِمْتُهَا، فَكَثُرَ عَلَيَّ النَّاسُ) أي: يسألونه عن سبب خروجه من دمشق، وعمَّا جرى بينه وبين معاوية (حَتَّى كَأَنَّهُمْ لَمْ يَرَوْنِي قَبْلَ ذَلِكَ، فَذَكَرْتُ ذَلكَ لِعُثْمَانَ، فَقَالَ لِي [6]: إِنْ شِئْتَ تَنَحَّيْتَ فَكُنْتَ قَرِيبًا) خشي عثمان على أهل المدينة ما خشيه معاوية على أهل الشَّأم (فَذَاكَ الَّذِي أَنْزَلَنِي هَذَا الْمَنْزِلَ) بالنَّصب (وَلَوْ أَمَّرُوا عَلَيَّ) عبدًا (حَبَشِيًّا لَسَمِعْتُ) قوله (وَأَطَعْتُ) أمره، وروى الإمام أحمد وأبو يَعلى من طريق أبي حرب بن أبي الأسود عن عمِّه عن أبي ذَرٍّ: أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم قال له: «كيف تصنع إذا أُخرِجتَ منه؟» أي: من المسجد النَّبويِّ، قال: آتي الشَّام، قال: «كيف تصنع إذا أُخرِجت منها؟» قال: أعود إليه، أي: إلى [7] المسجد، قال: «كيف تصنع إذا أُخرِجت منه؟» قال: أضرب بسيفي، قال: «ألا أدلُّك على ما هو خيرٌ لك من ذلك وأقرب رشدًا، تسمعُ وتطيعُ وتنساق لهم حيث ساقوك».
وفي حديث الباب رواية تابعيٍّ عن تابعيٍّ عن صحابيٍّ، ومناسبته للتَّرجمة من جهة [8] أنَّ ما أُدِّي زكاته فليس بكنزٍ، ومفهوم الآية كذلك، وأخرجه المؤلِّف أيضًا في «التَّفسير» [خ¦4660]، وكذا النَّسائيُّ.
ج3ص12


[1] في هامش (ص): (قوله: «بضمِّ المُوحَّدة» كذا بخطِّه، والذي في «الحلبيِّ» و«التَّقريب»: بفتح المُوحَّدة؛ بوزن «عظيمٍ»). انتهى.
[2] في (د) و(م): «ابن»، وهوخطأ.
[3] في (م): «بالمدينة».
[4] في (س): «بالشَّام».
[5] في (د): «نظرًا لعموم».
[6] «لي»: ليس في (م).
[7] «إلى»: ليس في (ص).
[8] في (د): «حيث».