إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

حديث: إذا دخل شهر رمضان فتحت أبواب السماء

1899- وبه قال: (حَدَّثَنِي) ولأبي ذرٍّ: ((وحدَّثني)) بواو العطف، وفي نسخةٍ: ((أخبرني)) بالإفراد في الثَّلاثة (يَحْيَى ابْنُ بُكَيْرٍ) القرشيُّ [1] (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (اللَّيْثُ) بن سعدٍ الإمام (عَنْ عُقَيْلٍ) بضمِّ العين مُصغِّرًا ابن خالدٍ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ (قَالَ: أَخْبَرَنِي) ولأبي ذرٍّ وابن عساكر: ((حدَّثني)) بالإفراد فيهما (ابْنُ أَبِي أَنَسٍ) أبو سهيلٍ نافعٌ (مَوْلَى التَّيْمِيِّينَ) أي: بني تيمٍ، وكان نافعٌ هذا _أخو أنس بن مالك بن أبي [2] عامرٍ_ عمَّ مالك بن أنس الإمام، حليف عثمان بن عبيد [3] الله، التَّيميُّ (أَنَّ أَبَاهُ) مالك بن أبي عامرٍ (حَدَّثَهُ: أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِذَا دَخَلَ رَمَضَانُ) ولغير أبي ذرٍّ
ج3ص350
وابن عساكر: ((شَهْرُ رَمَضَانَ)) (فُتِّحَتْ) بتشديد التَّاء ويجوز تخفيفها (أَبْوَابُ السَّمَاءِ) قيل: هذا من تصرُّف الرُّواة، والأصل: أبواب الجنَّة، وكذا وقع في «باب صفة إبليس وجنوده» [خ¦3277] من «بدء الخلق» بلفظ: «أبواب الجنَّة» في غير رواية أبي ذرٍّ، وله: ((أبواب السَّماء))، وقال ابن بطَّالٍ: المراد من «السَّماء»: الجنَّة؛ بقرينة قوله: (وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ جَهَنَّمَ) يحتمل أن يكون الفتح على ظاهره وحقيقته، وقال التُّورِبشتيُّ: هو كنايةٌ عن تنزيل الرَّحمة وإزالة الغلق عن مصاعد أعمال العباد، تارةً ببذل التَّوفيق، وأخرى بحسن القبول، وغلق أبواب جهنَّم عبارةٌ عن تنزُّه أنفس الصُّوَّام عن رجس الفواحش، والتَّخلُّص من البواعث على المعاصي بقمع الشَّهوات، فإن قيل: ما منعكم أن تحملوه على ظاهر المعنى؟ قلنا: لأنَّه ذُكِر على سبيل المنِّ على الصُّوَّام وإتمام النِّعمة عليهم فيما أُمِروا به ونُدِبوا إليه، حتَّى صار الجنان في هذا الشَّهر كأنَّ أبوابها فُتِّحت، ونعيمها هُيِّىء، والنِّيران كأنَّ أبوابها غُلِّقت [4]، وأنكالها عُطِّلت، وإذا ذهبنا إلى الظَّاهر لم تقع المنَّة موقعها وتخلو عن الفائدة لأنَّ الإنسان ما دام في هذه الدَّار فإنَّه غير مُيسَّرٍ لدخول إحدى الدَّارين، ورجَّح القرطبيُّ حمله على ظاهره؛ إذ لا ضرورة تدعو إلى صرف اللَّفظ عن ظاهره. قال الطِّيبيُ: فائدة فتح أبواب السَّماء توقيف الملائكة على استحماد فعل الصَائمين، وأنَّه من الله بمنزلةٍ عظيمةٍ، ويؤيِّده حديث ابن [5] عمر: «إنَّ الجنَّة لَتُزخرَف لرمضان...» الحديث.
(وَسُلْسِلَتِ الشَّيَاطِينُ) أي: شُدَّت بالسَّلاسل حقيقةً [6]، والمراد: مسترقو [7] السَّمع منهم [8]، وإنَّ تسلسلهم يقع في أيَّام [9] رمضان دون لياليه لأنَّهم كانوا مُنِعوا زمن نزول القرآن من استراق السَّمع، فزيدوا التَّسلسل مبالغةً في الحفظ، أو هو مجازٌ على العموم، والمرادُ أنَّهم لا يصلون من إفساد المسلمين إلى ما يصلون إليه في غيره لاشتغالهم فيه بالصِّيام الذي فيه قمع الشَّياطين [10]، وإن وقع شيءٌ من ذلك فهو قليلٌ بالنِّسبة إلى غيره، وهذا أمرٌ محسوسٌ.
ج3ص351


[1] في النُّسخ: «القعنبيُّ»، ولعلَّه مُحرَّفٌ عن المثبت، أو وهمٌ.
[2] «أبي»: سقط من غير (ب) و(س).
[3] في (د): «عبد»، وهو تحريفٌ.
[4] في (س): «أُغلِقت».
[5] «ابن»: سقط من جميع النُّسخ.
[6] في هامش (ص): (فائدةٌ: نُقِل في أواخر «الزَّواجر» من حديثٍ عند الحاكم وصحَّحه: «إنَّ إبليس في الأرض السَّابعةِ مصفَّدٌ في الحديد، يدٌ أمامه ويدٌ خلفه، فإذا أراد الله أن يطلقه لمن يشاء من عباده أطلقه». انتهى. ونحوه في «الهيئة السُّنِّيَّة» و«الدُّرِّ المنثور»، وقال فيه: وتعقَّبه الذَّهبيُّ، فقال: مُنكَرٌ). انتهى عجمي.
[7] في (ص): «مستقرُّ»، وهو تحريفٌ، وفي (م): «مُسْتَرِق».
[8] «منهم»: ليس في (د).
[9] «أيَّام»: ليس في (م).
[10] في (ب) و(س): «الشَّيطان».