إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

حديث: من ابتلي من هذه البنات بشيء كن له سترًا من النار

1418- وبه قال: (حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ) بكسر المُوحَّدة وسكون المعجمة، السَّخْتِيَانِيُّ [1] المروزيُّ (قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ) بن المبارك المروزيُّ قال: (أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ) هو ابن راشدٍ (عَنِ) ابن شهابٍ (الزُّهْرِيِّ قَالَ: حَدَّثَنِي) [2] بالإفراد (عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي بَكْرِ بْنِ حَزْمٍ) بفتح الحاء المهملة وسكون الزَّاي المعجمة (عَنْ عُرْوَةَ) بن الزُّبير (عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا قَالَتْ: دَخَلَتِ امْرَأَةٌ) قال الحافظ ابن حجرٍ: لم أعرف اسمها ولا ابنتيها (مَعَهَا ابْنَتَانِ) كائنتان (لَهَا) في موضع
ج3ص19
رفعٍ، صفةٌ لـ «ابنتان»، حال كونها (تَسْأَلُ) عطاءً (فَلَمْ تَجِدْ عِنْدِي شَيْئًا غَيْرَ تَمْرَةٍ) [3] واحدةٍ (فَأَعْطَيْتُهَا إِيَّاهَا) لم تردَّها خائبةً وهي تجد شيئًا؛ امتثالًا لقوله صلى الله عليه وسلم لها: «لا يرجع سائلٌ من عندِكِ ولو بشقِّ تمرةٍ» رواه البزَّار من حديث أبي هريرة (فَقَسَمَتْهَا) أي: السَّائلة (بَيْنَ ابْنَتَيْهَا، وَلَمْ تَأْكُلْ مِنْهَا) شيئًا لمِا جعل الله في قلوب [4] الأمَّهات من الرَّحمة (ثُمَّ قَامَتْ فَخَرَجَتْ، فَدَخَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَليهِ وَسَلَّم عَلَيْنَا، فَأَخْبَرْتُهُ) بسكون الرَّاء [5]، بشأن السَّائلة (فَقَالَ: مَنِ ابْتُلِيَ) ولأبي ذرٍّ [6]: ((فقال النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم: من ابتُلِي)) (مِنْ هَذِهِ الْبَنَاتِ) الإشارة إلى أمثال من ذكر في الفاقة، أو إلى جنس البنات مطلقًا (بِشَيْءٍ) من أحوالهنَّ، أو من أنفسهنَّ، وسمَّاه «ابتلاءً» لموضع الكراهة لهنَّ (كُنَّ لَهُ سِتْرًا) لم يقل: أستارًا بالجمع؛ لأنَّ المراد: الجنس المتناول للقليل والكثير، أي: حجابًا (مِنَ النَّارِ) ومناسبة الحديث للتَّرجمة: قال ابن المُنيِّر وتبعه كثيرٌ من الشُّرَّاح: من جهة أمِّ البنتين؛ لأنَّها لمَّا قسمت التَّمرة بينهما؛ فقد تصدَّقت على كلِّ واحدةٍ بشقِّ تمرةٍ، وقال النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم في حقِّها كلامًا عامًّا تندرج فيه؛ حيث قال: «من ابتُلِي من هذه البنات بشيءٍ كنَّ له سترًا من النَّار»، لكن تعقَّبه في «المصابيح» بأنَّ المؤلِّف لم يدخل تحت عهدة الاستدلال بهذا الحديث بعينه، على أنَّ الصَّدقة ولو بشقٍّ من [7] التَّمرة [8] تَقِي من النَّار حتَّى يتكلَّف [9] له مثل هذا، فإنَّه عقد الباب للأمر باتِّقاء النَّار ولو بشقِّ تمرةٍ، وللقليل من الصَّدقة، وقد وفى بالأمرين معًا، فحديث ابن معقلٍ فيه اتِّقاء النَّار ولو بشقِّ تمرةٍ، وحديث عائشة رضي الله عنها فيه الصَّدقة بالشَّيء القليل، كما أنَّ في الأحاديث المتقدِّمة الإشارة إلى القليل من الصَّدقة، فأيُّ حاجةٍ بعد ذلك إلى التَّكلُّف، وليس في حديث عائشة أنَّه صلى الله عليه وسلم تعرَّض إلى ما فعلته من قسم التَّمرة بين البنتين، وإنَّما فيه الإخبار بأنَّ الابتلاء بشيءٍ من البنات سببٌ من السِّتر [10] من النَّار [11]، على أنَّ ما قاله محتملٌ، ويحتمل أيضًا أن يكون حديث عائشة مسوقًا للأمرين معًا؛ لقضيَّة الصَّدقة بالقليل؛ وهو ما فعلته عائشة من التَّصدُّق بالتَّمرة، ولاتِّقاء النَّار ولو بشقِّ تمرةٍ، وهو ما فعلته أمُّ البنتين.
وفي هذا الحديث التَّحديث والإخبار والعنعنة والقول، وأخرجه أيضًا في «الأدب» [خ¦5995]، وكذا مسلمٌ، وأخرجه أيضًا [12] التِّرمذيُّ في «البرِّ»، وقال: حسنٌ صحيحٌ.
ج3ص20


[1] في غير (ص): «السَّجستانيُّ»، وهو تحريفٌ.
[2] في (د): «أخبرني».
[3] في (ص): «ثمرة»، ولعلَّه تصحيفٌ.
[4] في (د): «قلب».
[5] «بسكون الرَّاء»: ليس في (د).
[6] في غير (ص) و(م): «وفي روايةٍ لأبي ذرٍّ».
[7] «من»: ليس في (د) و(س).
[8] في (د): «تمرة».
[9] في (ص): «تكلُّف».
[10] في (د): «سببٌ للسِّتر»، وكذا في المصابيح.
[11] في هامش (ص): (قوله: «سببٌ من السِّتر من النَّار»؛ كذا بخطِّه بإثبات «من»، ولعلَّ وجهه أنَّها تبعيضيَّةٌ، وأنَّ المعنى: سببٌ من جملة أسباب السِّتر من النَّار؛ إذ السِّتر من النَّار ليس محصورًا سببُه فيما ذكر؛ بل له أسبابٌ كثيرةٌ، هذا من جملتها، قرَّره سَيِّدي محمَّدٌ الخلوتيُّ _نفعنا الله به_ آمين). انتهى.
[12] «أيضًا»: ليس في (د) و(م).