إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

حديث: تأتي الإبل على صاحبها على خير ما كانت

1402- وبه قال: (حَدَّثَنَا الْحَكَمُ بْنُ نَافِعٍ) أبو اليمان، البهرانيُّ الحمصيُّ قال: (أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) هو ابن أبي حمزة الحمصيُّ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ) عبد الله بن ذكوان: (أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ هُرْمُزَ الأَعْرَجَ) سقط «ابن هرمز» في بعض النُّسخ (حَدَّثَهُ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ يَقُولُ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَليهِ وَسَلَّم: تَأْتِي الإِبِلُ عَلَى صَاحِبِهَا) يوم القيامة، وعبَّر بـ «على» ليشعر باستعلائها وتسلَّطها عليه (عَلَى خَيْرِ مَا كَانَتْ) عنده في القوَّة والسِّمن؛ ليكون أثقل لوطئها وأشدَّ لنكايتها، فتكون زيادةً في عقوبته، وأيضًا فقد كان يودُّ [1] في الدُّنيا ذلك فيراها في الآخرة أكمل (إِذَا هُوَ لَمْ يُعْطِ فِيهَا حَقَّهَا) أي: زكاتها (تَطَاهُ) بألفٍ من غير واوٍ في الفرع، وكذا هو عند بعض النَّحويِّين لشذوذ هذا الفعل من بين نظائره في التَّعدِّي؛ لأنَّ الفعل إذا كان فاؤه واوًا وكان على فعل مكسور العين؛ كان غير متعدٍّ غير هذا الحرف و«وَسِعَ»، فلمَّا شذَّا دون نظائرهما؛ أُعطِيا هذا الحكم، وقِيلَ: إنَّ [2] أصله: توطِئ بكسر الطَّاء، فسقطت الواو، لوقوعها بين ياءٍ وكسرةٍ، ثمَّ فُتِحت الطَّاء لأجل الهمزة، نبَّه عليه صاحب «العمدة» (بِأَخْفَافِهَا) جمع: خفٍّ؛ وهو للإبل كالظِّلف للغنم والبقر، والحافر للحمار والبغل والفرس، والقدم للآدميِّ، ولمسلمٍ من طريق أبي صالحٍ عنه: «ما من صاحب إبلٍ لا يؤدِّي حقَّها منها إلَّا إذا كان يوم القيامة بُطِح لها بقاعٍ قَرْقَرٍ أوفرَ ما كانت، لا يَفْقِد منها فصيلًا واحدًا، تطؤه بأخفافها وتعضُّه بأفواهها، كلَّما مرَّت عليه أُولاها؛ ردَّت عليه أُخراها في يومٍ كان مقداره خمسين ألف سنةٍ، حتى يُقضَى [3] بين العباد، ويرى سبيله إمَّا إلى الجنَّة، وإمَّا إلى النَّار» (وَتَأْتِي الْغَنَمُ عَلَى صَاحِبِهَا) يوم القيامة (عَلَى [4] خَيْرِ مَا كَانَتْ) عنده في القوَّة والسِّمن (إِذَا لَمْ يُعْطِ فِيهَا حَقَّهَا) زكاتها، وسقط لفظ «هو» الثَّابت بعد «إذا» فيما سبق (تَطَؤُه بِأَظْلَافِهَا) بالظَّاء المعجمة (وَتَنْطَحُهُ بِقُرُونِهَا) بفتح الطَّاء، ولأبي الوقت: ((تنطِحه)) بكسرها على الأشهر، بل قال [5] الزَّين العراقيُّ: إنَّه المشهور في الرِّواية، وفيه: إنَّ الله يحيي البهائم؛ ليعاقب بها مانع الزَّكاة، والحكمة في كونها تُعاد كلُّها مع أنَّ حقَّ الله فيها إنَّما هو في بعضها؛ لأنَّ الحقَّ في جميع المال غير متميِّزٍ (قَالَ: وَمِنْ حَقِّهَا) قال ابن بطَّالٍ: يريد حقَّ الكرم والمواساة وشرف [6] الأخلاق، لا أنَّه فرضٌ (أَنْ تُحْلَبَ عَلَى الْمَاءِ) يوم ورودها؛ كما زاده [7] أبو نُعيمٍ وغيره؛ ليحضرها المساكين النَّازلون عليه، أي: الماء [8]، ومن لا لبن له فيها [9]، فيعطي من ذلك اللَّبن، ولأنَّ فيه رفقًا بالماشية، قال العلماء: وهذا منسوخٌ بآية الزَّكاة، أو هو من الحقِّ الزَّائد على الواجب الذي لا عقاب بتركه، بل على طريق المواساة وكرم الأخلاق، كما قاله ابن بطَّالٍ _فيما مرَّ_ واستدلَّ به من يرى أنَّ في المال حقوقًا غير الزَّكاة، وهو مذهب غير واحدٍ من التَّابعين، وفي «التِّرمذيِّ» عن فاطمة بنت قيسٍ عنه صلى الله عليه وسلم: «إنَّ في المال لحقًّا سوى الزَّكاة»، ورواه بعضهم: ((تُجلَب)) بالجيم، وجزم ابن دحية بأنَّه تصحيفٌ، وقد وقع عند أبي داود من طريق أبي عمرٍو الغُدَانيِّ ما يُفهِم أنَّ هذه الجملة؛ وهي: «ومن حقِّها...» إلى آخره مُدرجَةٌ من قول أبي هريرة، لكن في «مسلمٍ» من حديث
ج3ص8
أبي الزُّبير عن جابرٍ هذا الحديث وفيه: فقلنا يا رسول الله؛ وما حقُّها؟ قال: «إطراق فحلها وإعارة دلوها ومنحتها وحلبها على الماء وحملٌ عليها في سبيل الله» فبيَّن أنَّها مرفوعةٌ كما نبَّه عليه في «الفتح»، لكن قال الزَّين العراقيُّ: الظَّاهر أنَّها، أي: هذه الزِّيادة ليست متَّصلةً، كما بيَّنه أبو الزُّبير في بعض طرق مسلمٍ، فذكر الحديث دون الزِّيادة، ثمَّ قال أبو الزُّبير: سمعت عُبَيْدَ بن عُمَيْرٍ يقول هذا القولَ، ثمَّ سألت جابرًا، فقال مثل قول عُبَيْد بن عُمَيْرٍ، قال أبو الزُّبير: سمعت عُبَيْدَ بن عُمَيْرٍ [10] يقول: قال رجلٌ: يا رسول الله؛ ما حقُّ الإبل؟ قال: «حلبها على الماء»، قال الزَّين العراقيُّ: فقد تبيَّن أنَّ هذه الزِّيادة إنَّما سمعها أبو الزُّبير من عُبَيْد بن عُمَيْرٍ مرسلةٌ، لا ذكر لجابرٍ فيها. انتهى. لكن قد وقعت هذه الجملة وحدها عند المؤلِّف مرفوعةً من وجهٍ آخر عن أبي هريرة في «الشُّرب» [11] «باب حلب الإبل على الماء» [خ¦2378] بلفظ: حدَّثنا إبراهيم بن المنذر: حدَّثنا محمَّد بن فُلَيْحٍ قال: حدّثني أبي، عن هلال بن عليٍّ، عن عبد الرَّحمن بن أبي عَمْرة [12] عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم قال: «من حقِّ الإبل أن تُحلَب على الماء»، وهذا يقوِّي قول الحافظ ابن حجرٍ: إنَّها مرفوعةٌ.
(قَالَ) عليه الصلاة والسلام: (وَلَا يَأْتِي) خبرٌ بمعنى النَّهي (أَحَدُكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِشَاةٍ يَحْمِلُهَا عَلَى رَقَبَتِهِ لَهَا يُعَارٌ) بضمِّ المُثنَّاة التَّحتيَّة والعين المُهمَلة، أي: صوتٌ، قال ابن المُنيِّر: ومن لطيف الكلام أنَّ النَّهي الذي أوَّلنا به النَّفي يحتاج إلى تأويلٍ أيضًا، فإنَّ القيامة ليست دار تكليفٍ، وليس المراد نهيهم عن أن يأتوا بهذه الحالة، إنَّما المراد: لا تمنعوا الزَّكاة فتأتوا كذلك، فالنَّهي في الحقيقة إنَّما باشر سبب الإتيان، لا نفس الإتيان، وللمُستملي والكُشْمِيْهَنِيِّ [13]: ((ثُغَاءٌ)) بضمِّ المُثلَّثة وبغينٍ معجمةٍ، ممدودًا [14]: صياح الغنم أيضًا (فَيَقُولُ: يَا مُحَمَّدُ، فَأَقُولُ) له: (لَا أَمْلِكُ لَكَ شَيْئًا) أي: للتَّخفيف عنك (قَدْ بَلَّغْتُ) إليك حكم الله (وَلَا يَأْتِي) أحدكم يوم القيامة (بِبَعِيرٍ) ذَكَرِ الإبل وأنثاه (يَحْمِلُهُ عَلَى رَقَبَتِهِ لَهُ رُغَاءٌ) براءٍ مضمومةٍ وغينٍ مُعجَمةٍ، صوت الإبل (فَيَقُولُ: يَا مُحَمَّدُ، فَأَقُولُ) له: (لَا أَمْلِكُ لَكَ [15] شَيْئًا) ولأبي ذَرٍّ: ((لك [16] من الله شيئًا)) (قَدْ بَلَّغْتُ) إليك حكم الله تعالى.
ج3ص9


[1] في (ص): «يؤدِّي»، وهو تحريفٌ.
[2] «إنَّ»: ليس في (د).
[3] زيد في (ب): «الله».
[4] «على»: ليس في (ص).
[5] في (ص): «وقال».
[6] في (د) و(ص): «وشريف».
[7] في غير (س) و(ص): «زاد».
[8] «أي: الماء»: ليس في (ص) و(م).
[9] «فيها»: ليس في (ص).
[10] قوله: «يقول هذا القولَ، ثمَّ سألت جابرًا ... سمعت عُبَيْدَ بن عُمَيْرٍ»، ليس في (ص).
[11] «في الشُّرب»: ليس في (م).
[12] في (د): «بن عمرو»، وليس بصحيحٍ.
[13] في (م): «للكُشْمِيهَنيِّ»، والمثبت موافقٌ لما في «اليونينيَّة».
[14] في غير (ص) و(م): «ممدودة».
[15] «لك»: ليس في (م).
[16] «لك»: مثبتٌ من (ب) و(س).