إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

حديث: لا تفضلوا بين أنبياء الله فإنه ينفخ في الصور

3414- وبه قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى ابْنُ بُكَيْرٍ) بضمِّ الموحَّدة مُصغَّرًا (عَنِ اللَّيْثِ) بن سعدٍ الإمام (عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ ابْنِ أَبِي سَلَمَةَ) بفتح اللَّام، هو عبد العزيز بن عبد الله بن أبي [1] سلمة الماجِشُون _بكسر الجيم، بعدها شينٌ مُعجَمةٌ مضمومةٌ_ المزنيِّ، نزيل بغداد (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ الْفَضْلِ) _بفتح الفاء وسكون الضَّاد المعجمة_ ابن العبَّاس بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطَّلب الهاشميِّ المدنيِّ (عَنِ الأَعْرَجِ) عبد الرَّحمن بن هرمز (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) رضي الله عنه أنَّه (قَالَ: بَيْنَمَا) بالميم (يَهُودِيٌّ) لم يُعرَف اسمه، أو هو فِنْحاصٌ، وضُعِّف (يَعْرِضُ سِلْعَتَهُ) على النَّاس ليرغِّبهم في شرائها (أُعْطِيَ بِهَا شَيْئًا) من الثَّمن بخسًا (كَرِهَهُ، فَقَالَ: لَا) أبيعها بهذا الثَّمن البخس (وَالَّذِي اصْطَفَى مُوسَى عَلَى الْبَشَرِ، فَسَمِعَهُ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ) أخرج سفيان بن عيينة في «جامعه» وابن أبي الدُّنيا في كتابه [2] «البعث» من طريقه عن عمرو بن دينارٍ وابن جدعان عن سعيد بن المسيَّب قال: «كان بين رجلٍ من أصحاب النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم وبين رجلٍ من اليهود كلامٌ في شيءٍ _قال عمرو بن دينارٍ: هو أبو بكرٍ الصِّدِّيق_ فقال اليهوديُّ: والَّذي اصطفى موسى على البشر» وهذا يعكِّر على قوله في حديث الباب: «فسمعه رجلٌ من الأنصار» إلَّا إن كان المراد بالأنصار المعنى الأعمَّ، فإنَّ أبا بكرٍ من أنصار النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم قطعًا، بل هو رأس من نصره ومُقدَّمهم وسابقهم، قاله في «الفتح» (فَقَامَ فَلَطَمَ وَجْهَهُ، وَقَالَ:
ج5ص393
تَقُولُ: وَالَّذِي اصْطَفَى مُوسَى عَلَى الْبَشَرِ، وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ أَظْهُرِنَا؟) جمع ظهر، ومعناه: أنَّه بينهم على سبيل الاستظهار، كأنَّ ظهرًا منهم قدَّامه وظهرًا وراءه، فهو مكنونٌ [3] من جانبيه إذا قيل: بين ظهرانيهم، ومن جوانبه إذا قيل: بين أظهرهم، أو لفظ: «أظهرنا» مُقحَمٌ، كما قاله الكرمانيُّ (فَذَهَبَ) اليهوديُّ (إِلَيْهِ) صلى الله عليه وسلم (فَقَالَ: أَبَا الْقَاسِمِ) أي: يا أبا القاسم (إِنَّ لِي ذِمَّةً وَعَهْدًا) مع المسلمين (فَمَا بَالُ فُلَانٍ) أبي بكرٍ أخفر ذمَّتي ونقض عهدي إذ (لَطَمَ وَجْهِي؟) فدعاه النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم (فَقَالَ) عليه الصلاة والسلام له: (لِمَ لَطَمْتَ وَجْهَهُ؟) مع ما له من الذِّمَّة والعهد (فَذَكَرَهُ) أي: أمره مع اليهوديِّ (فَغَضِبَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) لذلك (حَتَّى رُئِيَ) الغضب (فِي وَجْهِهِ) الشَّريف (ثُمَّ قَالَ: لَا تُفَضِّلُوا بَيْنَ أَنْبِيَاءِ اللهِ) من قِبل أنفسكم، أو تفضيلًا يؤدِّي إلى تنقيصٍ أو إلى خصومةٍ ونزاعٍ (فَإِنَّهُ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ) النَّفخة الأولى (فَيَصْعَقُ) أي: يموت بها (مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ) ممَّن كان حيًّا حتَّى يكون آخر من يموت ملك الموت (إِلَّا مَنْ شَاءَ اللهُ) قيل: جبريل وميكائيل وإسرافيل وملك الموت [4]، فإنهم يموتون بعد [5]، وقيل: حملة العرش (ثُمَّ يُنْفَخُ فِيهِ) نفخةً (أُخْرَى) للبعث من القبور (فَأَكُونُ أَوَّلَ مَنْ بُعِثَ) من قبره _بضمِّ الموحَّدة وكسر العين المهملة [6] وفتح المثلَّثة مبنيًّا للمفعول_ (فَإِذَا مُوسَى آخِذٌ بِالْعَرْشِ) أي: بقائمةٍ من قوائمه كما في حديث أبي سعيدٍ (فَلَا أَدْرِي: أَحُوسِبَ بِصَعْقَتِهِ يَوْمَ الطُّورِ) لمَّا سأل الرُّؤية فلم يُصعَق (أَمْ بُعِثَ) بضمِّ الموحَّدة وكسر العين، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْميهَنيِّ: ((يُبعَث)) بالمضارع المبنيِّ للمجهول [7] (قَبْلِي) والظَّاهر: أنَّه عليه الصلاة والسلام لم يكن عنده علمُ ذلك حتَّى أعلمه الله تعالى، فقد أخبر عن نفسه الكريمة: أنَّه أوَّل من ينشقُّ عنه القبر [8].
3415- (وَلَا أَقُولُ: إِنَّ أَحَدًا أَفْضَلُ مِنْ يُونُسَ بْنِ مَتَّى) قاله تواضعًا. قال ابن مالكٍ: استُعمِل «أحدًا» في الإثبات لمعنى العموم، لأنَّه في سياق النَّفي، كأنَّه قيل: لا أحد أفضل من يونس، والشَّيء قد يُعطَى حكم ما هو في معناه وإن اختلفا في اللَّفظ، فمن ذلك قوله تعالى: {أَوَلَمْ يَرَوْا [9] أَنَّ اللهَ الَّذِي [10] خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ} [الأحقاف: 33] فأُجرِي في دخول الباء على الخبر مجرى «أوليس الَّذي» لأنَّه بمعناه، ومن إيقاع «أحدٍ» في الإيجاب المُؤوَّل بالنَّفي قول الفرزدق [11]: [من الطَّويل]
~ولو سُئِلت عنِّي نوَّارٌ وأهلها إذًا أحدٌ لم تنطق الشَّفتان
فإنَّ «أحدًا» وإن وقع مثبتًا [12] لكنَّه في الحقيقة منفيٌّ، لأنَّه مُؤخَّرٌ معنًى، كأنَّه قال: إذًا لم ينطق منهم أحدٌ.
ج5ص394


[1] «أبي»: سقط من غير (د).
[2] في غير (د) و(م): «كتاب».
[3] في غير (د) و(م): «مكنوفٌ».
[4] «وملك الموت»: مثبتٌ من (د).
[5] زيد في (م): «ملك الموت».
[6] «المهملة»: ليس في (د).
[7] قوله: «ولأبي ذر... للمجهول» جاء في (د) و(م) بعد قوله سابقًا: «مبنيًّا للمفعول».
[8] قوله: «تعالى، فقد أخبر عن نفسه الكريمة: أنَّه أوَّل من ينشقُّ عنه القبر» سقط من (د).
[9] في (د): «ألم تر» وهو تحريفٌ.
[10] «{الَّذِي}»: سقط من (د).
[11] زيد في (م): «قال».
[12] في (د): «في المثبت».