إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

حديث: أن ناسًا تماروا عندها يوم عرفة في صوم النبي

1988- وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو ابن مسرهدٍ قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى) القطَّان (عَنْ مَالِكٍ) الإمام (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (سَالِمٌ) هو أبو النَّضر (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد أيضًا (عُمَيْرٌ) تصغير «عمر» (مَوْلَى أُمِّ الْفَضْلِ) لبابة أمِّ ابن عبَّاسٍ: (أَنَّ أُمَّ الْفَضْلِ حَدَّثَتْهُ).
(ح) قال المؤلِّف: (وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ قال: (أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ أَبِي النَّضْرِ) بالضَّاد المعجمة سالمٍ المذكور، وهو (مَوْلَى عُمَرَ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ) بالتَّصغير (عَنْ عُمَيْرٍ مَوْلَى عَبْدِ اللهِ بْنِ الْعَبَّاسِ) بالألف واللَّام، ولأبوي ذرٍّ والوقت وابن عساكر: ((ابن عبَّاسٍ)) نسبه أوَّلًا لأمِّ عبد الله أمِّ الفضل؛ باعتبار الأصل، وثانيًا لولدها عبد الله؛ باعتبار ما آل إليه حاله (عَنْ أُمِّ الْفَضْلِ بِنْتِ الْحَارِثِ) بن حزنٍ الهلاليَّة، أخت ميمونة بنت الحارث أمِّ المؤمنين: (أَنَّ نَاسًا تَمَارَوْا) أي: اختلفوا (عِنْدَهَا يَوْمَ
ج3ص415
عَرَفَةَ فِي صَوْمِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ صَائِمٌ) على جاري عادته في سرد الصَّوم في الحضر (وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَيْسَ بِصَائِمٍ) لكونه مسافرًا (فَأَرْسَلَتْ) أي [1]: أمُّ الفضل، لكن في الحديث التَّالي [خ¦1989] أنَّ أختها ميمونة هي المُرسِلة، ويأتي الجواب عنه إن شاء الله تعالى (إِلَيْهِ) عليه الصلاة والسلام (بِقَدَحِ لَبَنٍ وَهْوَ وَاقِفٌ) أي: راكبٌ (عَلَى بَعِيرِهِ) بعرفاتٍ (فَشَرِبَهُ) زاد في حديث ميمونة [خ¦1989] «والنَّاس ينظرون».
وهذا الحديث سبق في [2] صوم يوم عرفة من «كتاب الحجِّ» [خ¦1661] ومقتضاه: أنَّ صوم يوم عرفة غير مُستَحَبٍّ، لكن في حديث قتادة عند مسلمٍ: أنَّه يكفِّر سنةً آتية، وسنةً ماضية، قال الإمام: والمكفَّر الصَّغائر [3]، والجمع بينه وبين حديثي الباب أن يُحمَل على غير الحاجِّ، أمَّا الحاجُّ فلا يُستَحَبُّ له صومه وإن كان قويًّا لأنَّه عليه الصلاة والسلام أفطر حينئذٍ، وتُعقِّب بأنَّ فعله المُجرَّد لا يدلُّ على نفي الاستحباب؛ إذ قد يترك الشَّيء المستحبَّ لبيان الجواز، ويكون في حقِّه أفضل لمصلحة التَّبليغ، لكن روى أبو داود والنَّسائيُّ وصحَّحه ابن خزيمة والحاكم: أنَّ أبا هريرة حدَّثهم: أنَّه صلى الله عليه وسلم نهى عن صوم يوم عرفة بعرفة، وقد أخذ بظاهره قومٌ، منهم: يحيى بن سعيدٍ الأنصاريُّ، فقال: يجب فطره للحاجِّ، والجمهور على استحباب فطره، حتَّى قال عطاءٌ: من أفطره ليتقوَّى به على الذِّكر كان له مثل أجر الصَّائم، فصومه له خلاف الأَولى، بل في «نكت التَّنبيه» للنَّوويِّ: أنَّه مكروهٌ، وفي «شرح المُهذَّب»: أنَّه يُستحَبُّ صومه لحاجٍّ لم يصل عرفة إلَّا ليلًا لفقد العلَّة، وهذا كلُّه في غير المسافر والمريض، أمَّا هما فيُستَحَبُّ لهما فطره مطلقًا كما نصَّ عليه الشَّافعيُّ في «الإملاء».
وهذا الحديث أخرجه أيضًا في «الحجِّ» [خ¦1661]، وكذا أبو داود.
ج3ص416


[1] «أي»: ليس في (د).
[2] زيد في النُّسخ: «باب»، وليس بصحيحٍ.
[3] في هامش (ص): (قوله: «والمُكفَّر الصَّغائر» أي: دون الكبائر، وقيل: يعصمه الله فيهما عمَّا يوجب الإثم، وإنَّما كان عرفة بسنتين، وعاشوراء بسنةٍ، لأنَّ عرفة خصَّه الله بضيافة هذه الأمَّة، وعاشوراء يشركها فيه غيرها، وأيضًا عرفة يومٌ محمَّديٌّ، وعاشوراء يومُ موسى، ونبيُّنا عليه السَّلام أفضل الأنبياء، فكان يومه بسنتين، وسُمِّي عرفة لأنَّ آدم عرف فيه حوَّاء، وقيل: إنَّ إبراهيم عرف أنَّ رؤياه حقٌّ، وقيل: عرَّفه جبريل المناسك، وقيل: لأنَّ النَّاس يعترفون فيه بذنوبهم، وجُمِعت على عرفاتٍ وإن كانت موضعًا واحدًا لأنَّ كلَّ جزءٍ منها يُسمَّى: عرفة، ويوم عرفة أفضل أيَّام السَّنة لم يُرَ الشَّيطان في يومٍ أدحض ولا أحقر منه في ذلك اليوم لِمَا يُرَى فيه من الرَّحمات لعموم بني آدم). انتهى.