إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

حديث: ألم أخبر أنك تصوم ولا تفطر

1977- وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ) الباهليُّ الصَّيرفيُّ الفلَّاس البصريُّ قال: (أَخْبَرَنَا) ولابن عساكر: ((حدَّثنا)) (أَبُو عَاصِمٍ) النَّبيل الضَّحَّاك بن مخلدٍ (عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ) عبد الملك ابن عبد العزيز المكِّيِّ [1] قال: (سَمِعْتُ عَطَاءً) هو ابن أبي رباحٍ المكِّيَّ (أَنَّ أَبَا الْعَبَّاسِ) السَّائب الأعمى (الشَّاعِرَ) [2] المكِّيَّ (أَخْبَرَهُ: أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَمْرٍو رَضِيَ اللهُ عَنْهُما يَقُولُ: بَلَغَ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) أي: من أبيه عمرو بن العاص
ج3ص406
(أَنِّي أَسْرُدُ الصَّوْمَ) بضمِّ الرَّاء، أي: أصوم متتابعًا ولا أفطر (وَأُصَلِّي اللَّيْلَ) كلَّه (فَإِمَّا أَرْسَلَ) عليه الصلاة والسلام (إِلَيَّ وَإِمَّا لَقِيتُهُ) عليه الصلاة والسلام من غير إرسالٍ (فَقَالَ: أَلَمْ أُخْبَرْ) بضمِّ الهمزة وسكون المعجمة وفتح المُوحَّدة (أَنَّكَ تَصُومُ وَلَا تُفْطِرُ، وَتُصَلِّي) أي [3]: اللَّيل (وَلَا تَنَامُ، فَصُمْ وَأَفْطِرْ) بهمزة قطعٍ (وَقُمْ وَنَمْ؛ فَإِنَّ لِعَيْنِكَ) بالإفراد، ولغير السَّرخسيِّ والكُشْمِيْهَنِيِّ _كما في «الفتح»_: ((لعينيك)) بالتَّثنية (عَلَيْكَ حَظًّا) بالظَّاء المعجمة [4] بدل القاف، أي: نصيبًا من [5] النَّوم (وَإِنَّ لِنَفْسِكَ وَأَهْلِكَ عَلَيْكَ حَظًّا) بالظَّاء المعجمة أيضًا، وحقُّ النَّفسِ الرِّفقُ بها، والأهلِ في الكسب والقيام بنفقتهم، ولا يُدئِب نفسه بحيث يضعف [6] عن القيام بما يجب عليه من ذلك (قَالَ) عبد الله: يا رسول الله [7] (إِنِّي لأَقْوَى لِذَلِكَ) أي: لسرد الصَّوم دائمًا، ولابن عساكر: ((إنِّي لأقوى ذلك)) كذا في «اليونينيَّة» [8] بإسقاط حرف الجرِّ، وفي نسخةٍ: ((على ذلك)) (قَالَ) عليه الصلاة والسلام: (فَصُمْ صِيَامَ دَاوُدَ _عليه السلام_ قَالَ) عبد الله: يا رسول الله (وَكَيْفَ؟) أي: صيام داود كما في مسلم (قَالَ) عليه الصلاة والسلام: (كَانَ يَصُومُ يَوْمًا وَيُفْطِرُ يَوْمًا، وَلَا يَفِرُّ) أي: لا يهرب (إِذَا لَاقَى) العدوَّ، أشار به إلى أنَّ الصَّوم على هذا الوجه لا يُنهِك البدن بحيث يضعف عن لقاء العدوِّ، بل يُستعان بفطر يومٍ على صيام يومٍ، فلا يضعف عن الجهاد وغيره من الحقوق (قَالَ) عبد الله: (مَنْ لِي بِهَذِهِ) الخصلة [9] الأخيرة؛ وهي عدم الفرار؟ أي: من يتكفَّل لي بها (يَا نَبِيَّ اللهِ؟ قَالَ عَطَاءٌ) هو ابن أبي رباحٍ بالإسناد السَّابق: (لَا أَدْرِي كَيْفَ ذَكَرَ) بفتحاتٍ (صِيَامَ الأَبَدِ) أي: لا أحفظ كيف جاء ذكر صيام الأبد في هذه القصَّة إلَّا أنِّي أحفظ أنَّه (قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَا صَامَ مَنْ صَامَ الأَبَدَ، مَرَّتَيْنِ) استدلَّ به من قال: بكراهة صوم الدَّهر لأنَّ قوله: «لا صام» يحتمل الدُّعاء، ويحتمل الخبر، قال ابن العربيِّ: إن كان معناه: الدُّعاء فيا ويح من أصابه دعاء النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، وإن كان معناه الخبر فيا ويح من أخبر عنه النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم أنَّه لم يصم، وإذا لم يصم شرعًا فلم يُكتَب له ثوابٌ لوجوب صدق قوله عليه الصلاة والسلام لأنَّه نفى عنه الصَّوم وقد نفى عنه الفضل كما تقدَّم، فكيف يطلب الفضل فيما نفاه صلى الله عليه وسلم، وأُجيب بأجوبةٍ:
أحدها: أنَّه محمولٌ على حقيقته: بأن يصوم معه العيد والتَّشريق، قال النَّوويُّ: وبهذا أجابت عائشة. انتهى. وهو اختيار ابن المنذر وطائفةٍ، وتُعقِّب بأنَّه عليه الصلاة والسلام قال جوابًا لمن سأله عن صوم الدَّهر: «لا صام ولا أفطر»، وهو يؤذن بأنَّه ما [10] أُجِرَ ولا أثم، ومن صام الأيَّام المُحرَّمة لا يُقال فيه ذلك لأنَّه عند من أجاز صوم الدَّهر إلَّا الأيَّام المُحرَّمة يكون قد فعل مُستَحبًّا وحرامًا، وأيضًا فإنَّ الأيَّام المُحرَّمة مستثناةٌ في الشَّرع غير قابلةٍ للصَّوم شرعًا، فهي بمنزلة اللَّيل وأيَّام الحيض، فلم تدخل في السُّؤال عند من علم تحريمها [11] ولا يصلح الجواب بقوله: «لا صام ولا أفطر» لمن لم [12] يعلم تحريمها، قاله في «فتح الباري».
الثَّاني: أنَّه محمولٌ على من تضرَّر به أو فوَّت به [13] حقًّا، ويؤيِّده أنَّ النَّهي كان خطابًا لعبد الله بن عمرو بن العاص، وقد ذكر مسلمٌ عنه: أنَّه عجز في آخر عمره وندم على كونه لم يقبل الرُّخصة.
الثَّالث: أنَّ معناه الخبر عن كونه لم يجد من المشقَّة ما يجد غيره؛ لأنَّه إذا اعتاد ذلك لم يجد في صومه مشقَّةً، وتعقَّبه الطِّيبيُّ: بأنَّه مخالفٌ لسياق الحديث؛ ألا تراه كيف نهاه أوَّلًا عن صيام الدَّهر كلِّه ثمَّ حثَّه على صوم داود عليه السلام، والأَولى أن يكون خبرًا عن أنَّه لم يمتثل أمر الشَّرع.
ج3ص407


[1] قوله: «قال: أَخْبَرَنَا ولابن عساكر: حدَّثنا... عبد الملك بن عبد العزيز، المكِّيِّ» سقط من (م).
[2] قوله: «هو ابن أبي رباحٍ، المكِّيَّ أَنَّ أَبَا الْعَبَّاسِ السَّائب الأعمى الشَّاعِرَ» سقط من (ص).
[3] «أي»: ليس في (د).
[4] «المعجمة»: ليس في (د).
[5] في (د): «في».
[6] في (ص) و(م): «تضعف».
[7] «يا رسول الله»: مثبتٌ من (د).
[8] في (م): «الفرع».
[9] «الخصلة»: ليس في (ب).
[10] في (ب) و(د) و(س): «لا».
[11] في (ب) و(د) و(س): «بتحريمها» وكذا في الموضع اللَّاحق.
[12] «لم»: سقط من (ص).
[13] «به»: ليس في (ب).