إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

حديث: فإنك لا تستطيع ذلك فصم و أفطر وقم ونم

1976- وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ) الحكم بن نافعٍ قال: (أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) هو ابن أبي حمزة (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلم بن شهابٍ (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ وَأَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ: أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَمْرٍو) أي: ابن العاص (قَالَ: أُخْبِرَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) بضمِّ الهمزة وسكون المعجمة وكسر المُوحَّدة مبنيًّا للمفعول، و«رسولُ الله» [1]: رفع [2] نائب عن الفاعل (أَنِّي أَقُولُ: وَاللهِ لأَصُومَنَّ النَّهَارَ وَلأَقُومَنَّ اللَّيْلَ مَا عِشْتُ) أي: مدَّة حياتي (فَقُلْتُ لَهُ) عليه الصلاة والسلام، فيه كلامٌ مطويٌّ تقديره: فقال لي [3] عليه الصلاة والسلام: أنت الذي تقول: والله لأصومنَّ النَّهار ولأقومنَّ اللَّيل ما عشت؟ ولـ «مسلمٍ»: أنت الذي تقول ذلك؟ فقلت له: (قَدْ) ولأبي الوقت: ((فقد)) (قُلْتُهُ بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي) أي: أفديك بهما (قَالَ) عليه الصلاة والسلام: (فإِنَّكَ لَا تَسْتَطِيعُ ذَلِكَ) الذي قلته من صيام النَّهار وقيام اللَّيل لحصول المشقَّة وإن لم يتعذَّر الفعل، أو بأن تبلغ [4] من العمر ما يتعذَّر معه ذلك، وعلمه عليه الصلاة والسلام بطريقٍ ما، أو المراد: لا تستطيع ذلك مع القيام ببقيَّة المصالح المرعيَّة شرعًا (فَصُمْ وَأَفْطِرْ) بهمزة قطعٍ (وَقُمْ وَنَمْ) ثمَّ بيَّن ما أجمل، فقال: (وَصُمْ مِنَ الشَّهْرِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ) لم يعيِّنها، ثمَّ علَّل وجه كونها ثلاثةً بقوله: (فَإِنَّ الْحَسَنَةَ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا، وَذَلِكَ مِثْلُ صِيَامِ الدَّهْرِ) استُشكِل هذا من جهة أنَّ القواعد تقتضي أنَّ المُقدَّر لا يكون كالمُحقَّق، وأنَّ الأجور تتفاوت
ج3ص405
بحسب تفاوت المصالح أو المشقَّة في الفعل، فكيف يوازي من له حسنةٌ واحدةٌ في كلِّ يوم جميع السَّنة من له عشرٌ فيه؟ وكيف يتساوى العامل وغيره في الأجر؟ وأُجيب: بأنَّ المراد هنا أصل التَّضعيف دون التَّضعيف الحاصل من الفعل، فالمثليَّة لا تقتضي المساواة من كلِّ وجهٍ، نعم يصدق على فاعل ذلك أنَّه صام الدَّهر مجازًا، قال عبد الله: (قُلْتُ): يا رسول الله (إِنِّي أُطِيقُ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ) أكثر من صيام [5] ثلاثة أيَّامٍ من كلِّ شهرٍ (قَالَ) عليه الصلاة والسلام: (فَصُمْ يَوْمًا وَأَفْطِرْ يَوْمَيْنِ) بالإفراد في الأوَّل، والتَّثنية في الآخر، وفي رواية حُسَينٍ المعلِّم في «الأدب» [خ¦6134] «فصم من كلِّ جمعةٍ ثلاثةَ أيَّامٍ»، وفي رواية أبي المَلِيح الآتية _إن شاء الله تعالى_ في «باب صوم داود» [خ¦1980] «أما يكفيك من كلِّ شهرٍ ثلاثة أيَّامٍ؟» قال: قلت: يا رسول الله! قال: «خمسًا»، قلت: يا رسول الله! قال: «سبعًا»، قلت: يا رسول الله! قال: «تسعًا»، قلت: يا رسول الله! قال: «إحدى عشرة» (قُلْتُ: إِنِّي أُطِيقُ أَفْضَلَ) أي [6]: أكثر (مِنْ ذَلِكَ، قَالَ: فَصُمْ يَوْمًا وَأَفْطِرْ يَوْمًا، فَذَلِكَ صِيَامُ دَاوُدَ _عليه السلام_ وَهْوَ أَفْضَلُ الصِّيَامِ) وفي «قيام اللَّيل»[خ¦1131] من طريق عمرو بن أوسٍ عن عبد الله بن عمرٍو: «أَحَبُّ الصِّيام إلى الله صيامُ داود»، وهذا يقتضي ثبوت الأفضليَّة مطلقًا، ومقتضاه: أن تكون الزِّيادة على ذلك من الصَّوم مفضولةً [7] (فَقُلْتُ: إِنِّي أُطِيقُ أَفْضَلَ) أكثر (مِنْ ذَلِكَ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَا) صوم (أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ) [8]، فهو أفضل من صوم الدَّهر كما قاله المتولِّي وغيره، ويترجَّح من حيث المعنى: بأنَّ صيام الدَّهر قد يفوِّت بعض الحقوق، وبأنَّ من اعتاده فإنَّه [9] لا يكاد يشقُّ عليه، بل تضعف شهوته عن الأكل، وتقلُّ حاجته إلى الطَّعام والشَّراب نهارًا، ويألف تناوله في اللَّيل بحيث يتجدَّد له طبعٌ زائدٌ، بخلاف من يصوم يومًا ويفطر يومًا فإنَّه ينتقل من فطرٍ إلى صومٍ، ومن صومٍ إلى فطرٍ، وقد نقل التِّرمذيُّ عن بعض أهل العلم: أنَّه أشقُّ الصَّوم، ويأمن مع ذلك من تفويت الحقوق، وعند سعيدِ بن منصورٍ بإسنادٍ صحيحٍ عن ابن مسعودٍ أنَّه قيل له: إنَّك لتقلُّ [10] الصِّيام، فقال: «إنِّي أخاف أن يضعفني [11] عن القراءة، والقراءة أحبُّ إليَّ من الصِّيام» لكن في «فتاوى ابن عبد السَّلام»: أنَّ صوم الدَّهر أفضل لأنَّه أكثر عملًا، فيكون أكثر أجرًا، وما كان أكثر أجرًا كان أكثر ثوابًا، وبذلك جزم الغزاليُّ أوَّلًا، وقيَّده بشرط ألَّا يصوم الأيَّام المنهيَّ عنها، وألَّا يرغب عن السُّنَّة بأن يجعل الصَّوم حجرًا على نفسه، فإذا أمن من ذلك فالصَّوم من [12] أفضل الأعمال، فالاستكثار منه زيادةٌ في الفضل، وقوله في الحديث: «لا أفضل من ذلك» أي: لك؛ وذلك لما علم من حاله ومنتهى قوَّته، وأنَّ ما هو أكثر من ذلك يضعفه عن الفرائض ويقعد [13] به عن الحقوق والمصالح، ويلتحق [14] به من في معناه، لكن تعقَّبه ابن دقيق العيد بأنَّ الأفعال متعارضة المصالح والمفاسد، وليس كلُّ ذلك معلومًا لنا ولا مستحضرًا، وإذا تعارضت المصالح والمفاسد فمقدار تأثير [15] كلِّ واحدة منها في الحثِّ أو المنع غير مُحقَّقٍ [16] لنا، فالطَّريق حينئذٍ أن نفوِّض الأمر إلى صاحب الشَّرع، ونجري على ما دلَّ عليه ظاهر الشَّرع من [17] قوَّة الظَّاهر ههنا [18]، وأمَّا زيادة العمل واقتضاء العادة لزيادة الأجر بسببه فيعارضه اقتضاء العادة والجبلَّة [19] للتَّقصير في حقوقٍ يعارضها الصَّوم الدَّائم ومقادير [20] ذلك الفائت، مع أنَّ مقادير الحاصل من الصَّوم غير معلومةٍ لنا.
ومطابقة الحديث للتَّرجمة في قوله: «وذلك مثل صيام الدَّهر».
ج3ص406


[1] اسم الجلالة ليس في (م).
[2] «رفع»: ليس في (د).
[3] «لي»: ليس في (ب).
[4] في غير (س): «يبلغ».
[5] «صيام»: ليس في (د).
[6] «أي»: مثبتٌ من (م).
[7] زيد في (د) وفي هامش (ص): (قوله: «مفضولةً»: ليس كلُّ عملٍ صالحٍ إذا زاد العبد منه ازداد من الله تقرُّبًا، بل رُبَّ عملٍ صالحٍ إذا زاد منه ازداد بعدًا؛ كالصَّلاة في الأوقات المكروهة). انتهى منه بخطِّه.
[8] قوله: «ومقتضاه: أن تكون الزِّيادة على ذلك من الصَّوم... صوم أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ»: ليس في (م).
[9] «فإنَّه»: ليس في (د).
[10] في (د): «تُقِلُّ».
[11] في (ب): «يضعني»، وهو تحريفٌ.
[12] «من»: ليس في (د).
[13] في (م): «ويبعد».
[14] في (د): «ويلحق».
[15] في (ب): «ما بين»، ولعلَّه تحريفٌ.
[16] في (د): «مُتحقَّقٍ».
[17] في (د) و(س): «مع».
[18] في (ب) و(د) و(س): «هنا».
[19] في (م): «الجملة»، وهو تحريفٌ.
[20] في (م): «تقادير»، وكذا في الموضع اللَّاحق.