إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

حديث: يا عبد الله ألم أخبر أنك تصوم النهار وتقوم الليل؟!

1975- وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا ابْنُ مُقَاتِلٍ) ولأبي الوقت: ((محمَّد بن مقاتلٍ)) أي: المروزيُّ المجاور بمكَّة، قال: (أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ) بن المبارك المروزيُّ قال: (أَخْبَرَنَا الأَوْزَاعِيُّ) بالزَّاي عبد الرَّحمن بن عمرٍو (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد أيضًا (أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد أيضًا (عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما) أنَّه قال: (قَالَ لِي رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ [1] عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: يَا عَبْدَ اللهِ أَلَمْ أُخْبَرْ) بضمِّ الهمزة وسكون المعجمة وفتح المُوحَّدة مبنيًّا للمفعول، وهمزة «أَلم» للاستفهام (أَنَّكَ تَصُومُ النَّهَارَ وَتَقُومُ اللَّيْلَ؟) أي: فيه (فَقُلْتُ: بَلَى يَا رَسُولَ اللهِ) زاد مسلمٌ: «ولم أرِدْ إلَّا الخير» (قَالَ: فَلَا) ولابن عساكر: ((لا)) (تَفْعَلْ) زاد بعد بابين [خ¦1979] «فإنَّك إذا فعلت ذلك؛ هَجَمتْ [2] له العين» (صُمْ وَأَفْطِرْ) بهمزة قطعٍ (وَقُمْ وَنَمْ؛ فَإِنَّ لِجَسَدِكَ عَلَيْكَ حَقًّا) بأن ترعاه وترفق به، ولا تضرَّه حتَّى تقعد عن القيام بالفرائض ونحوها، وقد ذمَّ الله قومًا أكثروا من العبادة ثمَّ تركوا [3] بقوله تعالى [الحديد: 28]: {وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا} إلى قوله: {فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا} (وَإِنَّ لِعَيْنِكَ عَلَيْكَ حَقًّا) بالإفراد في الفرع، ولغير الكُشْمِيْهَنِيِّ: ((لعينيك)) بالتَّثنية (وَإِنَّ لِزَوْجِكَ عَلَيْكَ حَقًّا) في الوطء (وَإِنَّ لِزَوْرِكَ) أي: لضيفك (عَلَيْكَ حَقًّا) في البسط والمؤانسة وغيرهما (وَإِنَّ بِحَسْبِكَ) [4] بسكون السِّين المهملة كما في «اليونينيَّة»، وبفتحها في الفرع [5]، قال البرماويُّ _كالزَّركشيِّ_: بفتح السِّين [6]، وحكى إسكانها، والباء فيه
ج3ص404
زائدةٌ، أي: كافيك (أَنْ تَصُومَ كُلَّ شَهْرٍ) في محلِّ رفعٍ، خبرُ «إنَّ»، قال في «المصابيح»: وينبغي أن يكون هذا الإعراب متعيِّنًا، ويُؤخّذ منه: صحَّة ما ذهب إليه ابن مالكٍ في قولك: «بحسْبِكَ زيدٌ» أنَّ حسبك [7]: مبتدأٌ، وزيدٌ: خبرٌ [8]، وأنَّه من باب الإخبار بالمعرفة عن النَّكرة؛ لأنَّ «حسبك» لا يتعرَّف بالإضافة، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: ((من كلِّ شهرٍ)) وله عن الكُشْمِيْهَنِيِّ: ((في كلِّ شهرٍ)) (ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، فَإِنَّ لَكَ بِكُلِّ حَسَنَةٍ عَشْرَ أَمْثَالِهَا، فَإِنَّ [9] ) ولأبوي ذرٍّ والوقت وابن عساكر: ((فإذن)) بالنُّون في الفرع وأصله [10]، وفي غيرهما [11]: بالألف مُنوَّنةً، وعليه الجمهور ورسم المصحف، وقال بالأوَّل: المازنيُّ والمبرِّد، وقال الفرَّاء: إن عملت كُتِبت [12] بالألف وإلَّا كُتِبت بالنُّون للفرق بينها وبين «إذا»، وتبعه ابن خروفٍ، قال في «القاموس»: ويحذفون الهمزة فيقولون: ذن، والأكثر أن تكون جوابًا لـ «إن» أو «لو» ظاهرتين أو مُقدَّرتين، والمُقدَّر هنا: «إن» أي: إن صمتها فإذا (ذَلِكَ صِيَامُ الدَّهْرِ كُلِّهِ) قال الحافظ ابن حجرٍ وغيره: «إذا» بغير تنوينٍ للمفاجأة، قال العينيُّ: تقديره: إن صمت ثلاثة أيَّامٍ من كلِّ شهرٍ فاجأت عشر أمثالها كما في قوله تعالى: {ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ} [الرُّوم: 25]... الآيةَ، تقديره: ثمَّ إذا دعاكم فاجأتم الخروج في ذلك الوقت، قال عبد الله: (فَشَدَّدْتُ) على نفسي (فَشُدِّدَ عَلَيَّ) بضمِّ الشِّين مبنيًّا للمفعول (قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنِّي أَجِدُ قُوَّةً) على أكثر من ذلك (قَالَ) عليه الصلاة والسلام: إن كنت تجد قوَّةً (فَصُمْ صِيَامَ نَبِيِّ اللهِ دَاوُدَ عليه السلام وَلَا تَزِدْ عَلَيْهِ، قُلْتُ: وَمَا كَانَ صِيَامُ نَبِيِّ اللهِ دَاوُدَ _عليه السلام_ قَالَ) عليه الصلاة والسلام: كان [13] صيامه (نِصْفَ) صوم (الدَّهْرِ) وهو أن يفطر يومًا ويصوم يومًا [14] (وَكَانَ [15] عَبْدُ اللهِ) بن عمرو بن العاص (يَقُولُ بَعْدَ مَا كَبِرَ) بكسر المُوحَّدة، أي: وعجز عن المحافظة على ما التزمه ووظفَّه على نفسه وشقَّ عليه: (يَا لَيْتَنِي قَبِلْتُ رُخْصَةَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) وأخذت بالأخفِّ.
ج3ص405


[1] «صلَّى الله»: سقط من (ب).
[2] في هامش (ص): (قوله: «هَجَمت» بفتح الهاء والجيم: غارت وضَعُف بصرها؛ كما يأتي للشَّارح بعد ثلاثة أبوابٍ). انتهى.
[3] في (د): «تركوها».
[4] في هامش (ص): (قوله: «وإن بحسْبك...» إلى آخره، قال في «المصابيح»: بإسكان السِّين اسم «إن»، و«الباء» فيه زائدةٌ، وانظر هل يجوز أن يكون خبرًا مُقدَّمًا لأنَّه جارٌّ ومجرورٌ وإن كان حرف الجرِّ زائدًا؟ وهو
عندي بعيدٌ أو ممتنعٌ. انتهى. ورأيت بخطِّ شيخنا عج: بل صرَّح السَّمين بامتناعه، فقال: اختُلِف في «حسْب» هل هو بمعنى اسم الفاعل، وأصله مصدرٌ، أو اسم فعلٍ ماضٍ، أو فعل أمرٍ؟ وهو من الأسماء اللَّازمة للإضافة، فلا يتعرَّف بالإضافة إلى معرفةٍ، تقول: مررت برجلٍ حسبك، ويُنصَب عنه التَّمييز ويكون مبتدأ فيُجرَّ بياءٍ زائدةٍ، وخبرًا؛ فلا يُجَرُّ بها ولا يُثنَّى ولا يُجمَع ولا يُؤنَّث وإن وقع صفةً لهذه الأشياء). انتهى.
[5] في غير (د) و(م): «وفي «اليونينية»: بفتحها»، ولعلَّ المثبت هو الصَّواب.
[6] في هامش (ص): (قوله: «بفتح السِّين»، قال في «ترتيب المطالع»: هذا غلطٌ، إنَّما هو بالإسكان ليس إلَّا، وما قاله إنَّما هو في «حسَب الشَّيء»؛ بمعنى: قدره، أي: فإنَّه بفتح السَّين، قال الجوهريُّ: وقد تُسكَّن في ضرورة الشِّعر. انتهى. وفي «التَّقريب»: حسْبك أن تصوم، و«بحسْب امرئٍ من الكذب» بالسُّكون فقط اتِّفاقًا، والباء زائدةٌ). انتهى بخطِّ عجمي.
[7] في (ب) و(د): «بحسبك».
[8] في (م): «خبره».
[9] في (د): «فإذا».
[10] «وأصله»: وليس في (م).
[11] في (م): «وغيره».
[12] في (د): «إذا عملته».
[13] «كان»: ليس في (م).
[14] في (د): «وهو أن يصوم يومًا ويفطر يومًا».
[15] في (د): «فكان»، وكذا في «اليونينية».