إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

حديث: لست كأحد منكم إني أطعم وأسقى

1961- وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو ابن مسرهدٍ [1] (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالتَّوحيد (يَحْيَى) بن سعيدٍ القطَّان (عَنْ شُعْبَةَ) بن الحجَّاج (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالتَّوحيد أيضًا (قَتَادَةُ) بن دعامة (عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) أنَّه (قَالَ) لأصحابه: (لَا تُوَاصِلُوا) نهيٌ يقتضي الكراهة، وهل هي للتَّنزيه أو للتَّحريم؟ والأصحُّ عند الشَّافعيَّة التَّحريم، قال الرَّافعيُّ: وهو ظاهر نصِّ الشَّافعيِّ، وكرهه مالكٌ، قال الأبيُّ: ولو إلى السَّحَر [2]، واختار اللَّخميُّ جوازَه إلى السَّحَر لحديث: «من واصل؛ فليواصل إلى السَّحَر»، وقول أشهب: _من واصل [3] أساء_ ظاهره التَّحريم، وقال ابن قدامة في «المغني»: يُكرَه للتَّنزيه لا للتَّحريم، ويدلُّ للتَّحريم قوله في رواية ابن خزيمة من طريق شعبة بهذا الإسناد: «إيَّاكم والوصال» (قَالُوا: إِنَّكَ تُوَاصِلُ!) لم يُسَمَّ القائلون، وفي رواية أبي هريرة الآتية _إن شاء الله تعالى_ أوَّل الباب اللَّاحق [خ¦1965] «فقال رجلٌ من المسلمين» وكأنَّ القائل واحدٌ ونُسِب إلى الجميع لرضاهم به، وفيه: دليلٌ على استواء المُكلَّفين في الأحكام، وأنَّ كلَّ حكمٍ ثبت في حقِّه عليه الصلاة والسلام ثبت في حقِّ أمَّته إلَّا ما استثنى، فطلبوا الجمع بين قوله في النَّهي وفعله الدَّالِّ على الإباحة، فأجابهم باختصاصه به، حيث (قَالَ) عليه الصلاة والسلام: (لَسْتُ) ولابن عساكر: ((إنِّي لست)) (كَأَحَدٍ مِنْكُمْ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيْهَنِيِّ: ((كأحدكم)) (إِنِّي أُطْعَمُ وَأُسْقَى) بضمِّ الهمزة فيهما (أَوْ) قال: (إِنِّي أَبِيتُ أُطْعَمُ وَأُسْقَى) حقيقةً، فيُؤتَى بطعامٍ وشرابٍ من عند الله تعالى كرامةً له في ليالي صومه، ورُدَّ بأنَّه لو كان كذلك لم يكن مواصلًا، والجمهور على أنَّه مجازٌ عن لازم الطَّعام والشَّراب؛ وهو القوَّة، فكأنَّه قال: يعطيني قوَّة الآكل والشَّارب، أو أنَّ الله تعالى يخلق فيه من الشِّبع والرَّيِّ ما يغنيه عن الطَّعام والشَّراب، فلا يحسُّ بجوعٍ ولا عطشٍ، والفرق بينه وبين الأوَّل: أنَّه على الأوَّل يُعطَى القوَّة من غير شبعٍ ولا ريٍّ، بل [4] مع الجوع والظَّمأ، وعلى الثَّاني: يُعطَى القوَّة [5] مع الشِّبع والرَّيِّ. ورجح الأوَّل؛ فإنَّ الثَّاني ينافي حال الصَّائم ويفوِّت المقصود من الصَّوم والوصال لأنَّ الجوع هو روح هذه العبادة بخصوصها.
ج3ص396


[1] «هو ابن مسرهدٍ»: مثبتٌ من (ب) و(د) و(س).
[2] في (د): «السُّحور».
[3] زيد في (د): (فقد).
[4] «بل»: ليس في (م).
[5] قوله: «من غير شبعٍ ولا ريٍّ، بل مع الجوع والظَّمأ، وعلى الثَّاني: يُعطَى القوَّة» سقط من (ص).