إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

حديث: إذا رأيتم الليل أقبل من هاهنا، فقد أفطر الصائم

1956- وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو ابن مسرهدٍ قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ) بن زيادٍ قال: (حَدَّثَنَا الشَّيْبَانِيُّ) أبو إسحاق، ولأبوي ذرٍّ والوقت وابن عساكر: ((الشَّيبانيُّ سليمان)) فزاد اسمه (قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ أَبِي أَوْفَى رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: سِرْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهْوَ صَائِمٌ) في رمضان (فَلَمَّا غَرَبَتِ الشَّمْسُ؛
ج3ص392
قَالَ: انْزِلْ فَاجْدَحْ لَنَا) وفي رواية شعبة عن الشَّيبانيِّ عند أحمد: «فدعا صاحبَ شرابِه بشرابٍ» [1] وهو يؤيِّد كونه بلالًا، فإنَّه هو المعروف بخدمته عليه الصلاة والسلام، لا سيَّما وفي رواية أبي داود بلفظ [2]: «يا بلال انزل فاجدح لنا» (قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ لَوْ أَمْسَيْتَ، قَالَ: انْزِلْ فَاجْدَحْ لَنَا، قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّ عَلَيْكَ نَهَارًا، قَالَ: انْزِلْ فَاجْدَحْ لَنَا، فَنَزَلَ) ولأبي الوقت: ((قال: فنزل)) (فَجَدَحَ) زاد في الباب السَّابق [خ¦1955]: فشرب النبي صلى الله عليه وسلم (ثُمَّ قَالَ: إِذَا رَأَيْتُمُ اللَّيْلَ أَقْبَلَ مِنْ هَهُنَا فَقَدْ أَفْطَرَ الصَّائِمُ، وَأَشَارَ) عليه الصلاة والسلام (بِإِصْبَعِهِ قِبَلَ الْمَشْرِقِ) بكسر القاف وفتح المُوحَّدة، أي: جهة المشرق.
ومطابقته للتَّرجمة من جهة أنَّ الجدح تحريك السَّويق بالماء، وهو مشتملٌ على الماء وغيره، وفي «التِّرمذيِّ» وغيره وصحَّحوه: «إذا كان أحدكم صائمًا فليفطر على التَّمر، فإن لم يجد التَّمر فعلى الماء؛ فإنَّه طهورٌ»، وروى التِّرمذيُّ وحسَّنه: أنَّه صلى الله عليه وسلم كان يفطر قبل أن يصلِّي على رُطَباتٍ، فإن لم يكن فعلى تمراتٍ، فإن لم يكن حسا [3] حَسَواتٍ من ماءٍ، وقضيَّته تقديم الرُّطب على التَّمر، وهو على الماء، والقصد بذلك _كما قاله المحبُّ الطَّبريُّ_: ألَّا يدخل جوفه أوَّلًا ما مسَّته النَّار، ويحتمل أن يراد هذا مع قصد الحلاوة تفاؤلًا، قال: ومن كان بمكَّة سُنَّ له أن يفطر على ماء [4] زمزم لبركته، ولو جمع بينه وبين التَّمر فحسنٌ [5]. انتهى. ورُدَّ هذا بأنَّه مخالفٌ للأخبار وللمعنى الذي شرِع الفطر على التَّمر لأجله، وهو حفظ البصر، أو أنَّ التَّمر إذا نزل إلى المعدة فإن وجدها خاليةً حصل الغذاء، وإلَّا أخرج ما هناك من بقايا الطَّعام، وهذا لا يوجد في ماء زمزم، وعن بعضهم: الأَولى في زماننا أن يفطر على ماءٍ [6] يأخذه بكفِّه من النَّهر ليكون أبعد عن الشُّبهة، قال في المجموع: وهذا شاذٌّ، _والمذهب وهو الصَّواب_: فطره على تمرٍ ثمَّ ماءٍ.
ج3ص393


[1] «بشرابٍ»: ليس في (ص).
[2] «بلفظ»: ليس في (د).
[3] في هامش (ص): (قوله: «حسا»: الحُسوة؛ بالضَّمِّ: الجرعة من الشَّراب بقدر ما يُحسَى مرَّةً واحدةً، والحَسوة؛ بالفتح: المرَّة). انتهى «نهاية».
[4] «ما»: ليس في (ص).
[5] في (م): «لكان حسنًا».
[6] زيد في (د): «باردٍ».