إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

حديث: أن ابن عمر قرأ: {فدية طعام مساكين} قال: هي منسوخة

1949- وبه قال: (حَدَّثَنَا عَيَّاشٌ) [1] بالمُثنَّاة التَّحتيَّة والمُثلَّثة آخره ابن الوليد الرَّقَّام البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَعْلَى) ابن عبد الأعلى البصريُّ السَّاميُّ _بالمهملة_ قال: (حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ) بضمِّ العين مُصغَّرًا العمريُّ المدنيُّ (عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما) أنَّه (قَرَأَ) قوله تعالى: ({فِدْيَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ} [البقرة: 184] ) بتنوين «فديةٌ» ورفع «طعامُ» وجمع «مساكينَ» وفتح نونه من غير تنوينٍ؛ لمقابلة الجمع بالجمع، وهذه قراءة هشامٍ عن ابن عامرٍ، ولابن عساكر: ((مسكينٍ)) بالتَّوحيد وكسر النُّون مع تنوين «فديةٌ» ورفع «طعامُ»، وهي قراءة ابن كثيرٍ وأبي عمرٍو وعاصمٍ وحمزة والكسائيِّ، فـ «فديةٌ»: مبتدأٌ، خبره: الجارُّ قبله، و«طعامُ» بدلٌ من «فدية»، وتوحيد «مسكين» لمراعاة أفراد العموم، أي: وعلى كلِّ واحدٍ [2] ممَّن يطيق الصَّوم لكلِّ يومٍ يفطره [3] إطعامُ مسكينٍ، وتبيَّن من إفراد «المسكين» أنَّ الحكم لكلِّ يومٍ يفطر فيه إطعام [4] مسكينٍ، ولا يُفهَم ذلك من الجمع.
(قَالَ)
ج3ص387
أي: ابن عمر: (هِيَ) أي: آية الفدية (مَنْسُوخَةٌ) وهذا مذهب الجمهور خلافًا لابن عبَّاسٍ حيث قال: إنَّها ليست بمنسوخةٍ، وهي للشَّيخ الكبير والمرأة الكبيرة لا يستطيعان أن يصوما فليطعما مكان كلِّ يومٍ مسكينًا، وهذا الحكم باقٍ، وهو حجَّةٌ للشَّافعيِّ ومن وافقه في أنَّ من عجز عن الصَّوم _لهرمٍ أو زمانةٍ أو اشتدَّت عليه مشقَّته [5]_ سقط عنه الصَّوم لقوله تعالى: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} [الحجُّ: 78] ولزمته الفدية خلافًا لمالكٍ ومن وافقه، ومذهب الشَّافعيَّة: أنَّ الحامل والمرضع ولو لولد غيرِها، بأجرةٍ أو دونها، إذا أفطرتا يجب على كلِّ واحدةٍ [6] منهما مع القضاء الفدية من مالهما، لكلِّ يومٍ مدٌّ إن خافتا على الطِّفل وإن كانتا مسافرتين أو مريضتين لما روى البيهقيُّ وأبو داود بإسنادٍ حسنٍ عن ابن عبَّاسٍ في قوله تعالى: {وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ} [البقرة: 184] أنَّه نُسِخ [7] حكمه إلَّا في حقِّهما حينئذٍ، ويُستَثنى المتحيِّرة فلا فديةٍ عليها على الأصحِّ في «الرَّوضة» للشَّكِّ، وهو ظاهرٌ فيما إذا أفطرت ستَّة عشر يومًا فأقلَّ، فإن زادت عليها فينبغي وجوب الفدية عن الزَّائد لعلمنا بأنَّه يلزمها صومه، ولا تتعدَّد الفدية بتعدُّد الولد لأنَّها بدلٌ عن الصَّوم بخلاف العقيقة تتعدَّد بتعدُّدهم [8] لأنَّها فداءٌ عن كلِّ واحدٍ، وإن خافتا على أنفسهما ولو مع ولديهما فلا فدية، ويجب الفطر لإنقاذ محترمٍ أشرف على الهلاك بغرقٍ أو نحوه، إبقاءً لمهجته مع القضاء والفدية كالمرضع لأنَّه فطرٌ ارتفق به شخصان كالجماع؛ لأنَّه تعلَّق به مقصود الرَّجل والمرأة فلذا [9] تعلَّق به القضاء والكفَّارة.
ج3ص388


[1] في (ب): «غياثٌ»، وهو تحريفٌ.
[2] «واحدٍ»: ليس في (د).
[3] في (د): «يفطر».
[4] «إطعام»: مثبتٌ من (ب) و(س).
[5] في (د) و(ص): «مشقَّة».
[6] «واحدةٍ»: مثبتٌ من (ب) و(س).
[7] في (د): «رُفِع».
[8] في (ب) و(د): «بتعدد الولد».
[9] في (د): «فكذا».