إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

حديث جابر: ليس من البر الصوم في السفر

1946- وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا آدَمُ) بن أبي إياسٍ قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن سعد بن زرارة (الأَنْصَارِيُّ قَالَ: سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْحَسَنِ ابْنِ عَلِيٍّ) بفتح العين وسكون الميم من «عَمْرٍو»، وفتح الحاء من «الحَسن»، وجدُّه أبو طالبٍ (عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ) الأنصاريِّ (رَضِيَ اللهُ عَنْهُم قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي سَفَرٍ) في غزوة الفتح كما في «التِّرمذيِّ» (فَرَأَى زِحَامًا) بكسر الزَّاي: اسمٌ للزَّحمة، والمراد هنا: الوصف لمحذوفٍ، أي: فرأى قومًا مزدحمين [1] (وَرَجُلًا) قيل: هو أبو إسرائيل العامريُّ، واسمه قيسٌ، وعزاه مغلطاي لمبهمات الخطيب، ونُوزِع في نسبة ذلك للخطيب (قَدْ ظُلِّلَ عَلَيْهِ) أي: جُعِل عليه شيءٌ يظلِّله من الشَّمس لما حصل له من شدَّة العطش وحرارة الصَّوم، وقوله: «ظُلِّل» بضمِّ الظَّاء مبنيًّا للمفعول، والجملة حاليَّةٌ (فَقَالَ) عليه الصلاة والسلام: (مَا هَذَا؟) وللنَّسائيِّ: «ما بال صاحبكم هذا؟» (فَقَالُوا) أي: من حضر من الصَّحابة، ولابن عساكر: ((قالوا)) بإسقاط الفاء: (صَائِمٌ، فَقَالَ) عليه الصلاة والسلام: (لَيْسَ مِنَ الْبِرِّ) بكسر الباء، أي: ليس من الطَّاعة والعبادة (الصَّوْمُ فِي السَّفَرِ) إذا بلغ بالصَّائم هذا المبلغ من المشقَّة، ولا تمسُّك بهذا الحديث لبعض الظَّاهريَّة القائلين بأنَّه لا ينعقد الصَّوم في السَّفر لأنَّه عامٌّ
ج3ص385
خرج على سببٍ، فإن قيل بقصره عليه لم [2] تقم به حجَّةٌ، وإن لم يُقْلَ بقصره عليه حُمِل على من حاله مثل حال الرَّجل وبلغ به ذلك المبلغ، وحديث: صومه صلى الله عليه وسلم حتَّى بلغ الكَدِيد [خ¦1944] وحديث: «فمنَّا الصَّائم، ومنَّا المفطر» يردُّ عليهم، وقول الزَّركشيِّ وتبعه صاحب «جمع العدَّة [3] لفهم العمدة»: «من»_في قوله: «ليس من البرِّ»_ زائدةٌ لتأكيد النَّفي، وقيل: للتَّبعيض، وليس بشيءٍ، تعقَّبه البدر [4] الدَّمامينيُّ فقال: هذا عجيبٌ لأنَّه أجاز ما المانعُ منه قائمٌ ومَنَعَ ما لا مانع منه، وذلك أنَّ من شروط زيادة «من» أن يكون مجرورها نكرةً، وهو في الحديث معرفةٌ، وهذا هو المذهب المُعوَّل عليه، وهو مذهب البصريِّين خلافًا للأخفش والكوفيِّين، وأمَّا كونها للتَّبعيض فلا يظهر لمنعه وجهٌ؛ إذ المعنى: أنَّ الصَّوم في السَّفر ليس معدودًا من أنواع البرِّ، وأمَّا رواية: «ليس من امبر امصيام في امسفر» _بإبدال اللَّام ميمًا في لغة أهل اليمن_ فهي في «مُسنَد الإمام أحمد» لا في «البخاريِّ». وحديث الباب رواه مسلمٌ في «الصَّوم»، وكذا أبو داود والنَّسائيُّ.
ج3ص386


[1] قوله: «بكسر الزَّاي: اسمٌ للزَّحمة، والمراد هنا: الوصف لمحذوفٍ، أي: فرأى قومًا مزدحمين» سقط من (د).
[2] في غير (ب) و(س): «فلم».
[3] في هامش (ص): (قوله: صاحب «جمع العدَّة»: هو البرماويُّ شارح «البخاريِّ»). انتهى.
[4] «البدر»: ليس في (ص).