إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

حديث: أنزلت {وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم}

1917- وبه قال: (حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ) هو سعيد بن الحكم بن محمَّد [1] بن أبي مريم الجمحيُّ قال: (حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي حَازِمٍ) بالحاء المهملة والزَّاي، عبد العزيز (عَنْ أَبِيهِ) أبي حازمٍ سلمة بن دينارٍ (عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ) بسكون الهاء والعين السَّاعديِّ.
(ح) لتحويل السَّند: (وَحَدَّثَنِي) بالإفراد (سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ) قال: (حَدَّثَنَا أَبُو غَسَّانَ) بالغين المعجمة والمهملة المُشدَّدة (مُحَمَّدُ بْنُ مُطَرِّفٍ) ولفظ المتن له (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (أَبُو حَازِمٍ) سلمة (عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: أُنْزِلَتْ: {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ} [البقرة: 187] وَلَمْ يَنْزِلْ) قوله تعالى: ({مِنَ الْفَجْرِ} فَكَانَ) بالفاء، ولأبي الوقت: ((وكان)) (رِجَالٌ إِذَا أَرَادُوا الصَّوْمَ رَبَطَ أَحَدُهُمْ فِي رِجْلِهِ) بالإفراد، ولأبوي ذرٍّ والوقت:
ج3ص362
((في [2] رِجْلَيه)) (الْخَيْطَ الأَبْيَضَ وَالْخَيْطَ الأَسْوَدَ، وَلَمْ يَزَلْ) ولأبوي ذرٍّ والوقت وابن عساكر: ((ولا يزال)) (يَأْكُلُ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُ) بالمُثنَّاة التَّحتيَّة ثمَّ الفوقيَّة والمُوحَّدة وتشديد المُثنَّاة التَّحتيَّة، ولأبي ذرٍّ: ((تَتَبَيَّنَ)) بمُثنَّاتين فوقيَّتين قبل المُوحَّدة، وللكُشْمِيْهَنِيِّ: ((يَسْتَبِين [3] ) ) بسينٍ مهملةٍ ساكنةٍ مع التَّخفيف (رُؤْيَتُهُمَا) أي: الخيطين [4] (فَأَنْزَلَ اللهُ) عزَّ وجلَّ (بَعْدُ) قوله: {مِنَ الْفَجْرِ} [البقرة: 187] قال البيضاويُّ: شبَّه أوَّل ما يبدو من الفجر المعترض في الأفق وما يمتدُّ معه من غبش اللَّيل بخيطين: أبيض وأسود، واكتفى ببيان الخيط الأبيض بقوله: ({مِنَ الْفَجْرِ}) عن بيان الخيط الأسود لدلالته عليه، وبذلك خرجا من الاستعارة إلى التَّمثيل، ويجوز أن تكون «من» للتَّبعيض، فإنَّ ما يبدو بعض الفجر، وما رُوِي_ أنَّها نزلت ولم ينزل: {مِنَ الْفَجْرِ} فكان [5] رجالٌ إذا أرادوا الصَّوم ربط أحدهم في رجله الخيط فنزلت_ لعلَّه كان قبل دخول رمضان، وتأخير البيان إلى وقت الحاجة جائزٌ، أو اكتفى أوَّلًا باشتهارهما في ذلك، ثمَّ صرَّح بالبيان لمَّا التبس على بعضهم، وذكر في «الفتح» و«العمدة» و«التَّنقيح» و«المصابيح»: أنَّ حديث عديٍّ يقتضي نزول قوله تعالى: {مِنَ الْفَجْرِ} متَّصلًا بقوله: {مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ} وحديث سهل بن سعدٍ صريحٌ في أنَّه لم ينزل إلَّا منفصلًا، فإن حُمِل على واقعتين في وقتين فلا إشكال، وإلَّا احتمل أن يكون حديث عديٍّ متأخِّرًا عن حديث سهلٍ، فإنَّما سمع الآية مُجرَّدةً، فحملها على ما وصل إليه فهمه حتَّى يتبيَّن له الصَّواب، وعلى هذا يكون {مِنَ الْفَجْرِ} متعلِّقًا بـ {يَتَبَيَّنَ}، وعلى مقتضى حديث سهلٍ يكون في موضع الحال متعلِّقًا بمحذوفٍ. انتهى. وليس في حديث عديٍّ هنا عند المؤلِّف _بل ولا في «التَّفسير» [خ¦4511]_ ذكرُ: {مِنَ الْفَجْرِ} أصلًا، فليُتأمَّل، نعم ثبت ذكره في روايته عند مسلمٍ في «صحيحه» (فَعَلِمُوا) أي: الرِّجال، أي: الصَّحابة [6] (أَنَّهُ إِنَّمَا يَعْنِي) بقوله: الخيط الأبيض والخيط الأسود: (اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ) ولابن عساكر: ((من النَّهار)).
وهذا الحديث أخرجه أيضًا في «التَّفسير» [خ¦4511]، وكذا النَّسائيُّ.
ج3ص363


[1] في جميع النُّسخ: «محمَّد بن الحكم»، ولعلَّ المثبت هو الصَّواب.
[2] «في»: ليس في (ب) و(س).
[3] في (ب) و(د) و(س): «حتَّى يستبين له».
[4] في هامش (ص): (قوله: «أي: الخيطان»، لعلَّه على رأي من يُلزِم المُثنَّى الألف في أحواله الثَّلاثة، وإلَّا فقوله: أي: الخيطان؛ تفسيرٌ للضَّمير المضاف للرُّؤية، فكان حقُّه أن يقول: «أي: الخيطين»). انتهى. يُحرَّر.
[5] في غير (ص) و(م): «وكان».
[6] «أي: الصحابة»: مثبتٌ من (م).