إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

حديث: من أنفق زوجين في سبيل الله نودي من أبواب الجنة

1897- وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ) الحزاميُّ؛ بالزَّاي (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (مَعْنٌ) بفتح الميم وسكون المهملة ابن عيسى بن يحيى القزَّاز المدنيُّ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد أيضًا (مَالِكٌ) الإمام (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ (عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن عوفٍ الزُّهريِّ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ) ولابن عساكر: ((قال رسول الله صلى الله عليه وسلم)): (مَنْ أَنْفَقَ زَوْجَيْنِ) اثنين من أيِّ شيءٍ كان، صنفين أو متشابهين، وقد جاء مُفسَّرًا مرفوعًا: «بعيرين شاتين حمارين درهمين» وزاد إسماعيل القاضي عن أبي مصعبٍ عن مالكٍ: «من ماله» (فِي سَبِيلِ اللهِ) عامٌّ في أنواع الخير، أو خاصٌّ بالجهاد (نُودِيَ مِنْ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ: يَا عَبْدَ اللهِ هَذَا خَيْرٌ) من الخيرات، وليس المراد به «أفعل» التَّفضيل، والتَّنوين للتَّعظيم (فَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصَّلَاةِ) المؤدِّين للفرائض، المكثِرين من النَّوافل، وكذا ما [1] يأتي فيما قيل (دُعِيَ
ج3ص348
مِنْ بَابِ الصَّلَاةِ، وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْجِهَادِ دُعِيَ مِنْ بَابِ الْجِهَادِ، وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصِّيَامِ) أي: الذي الغالب عليه الصِّيام، وإلَّا فكلُّ المؤمنين أهلٌ للكلِّ (دُعِيَ مِنْ بَابِ الرَّيَّانِ) وعند أحمد: «لكلِّ أهلِ عملٍ بابٌ يُدعَون منه بذلك العمل، فلأهل الصِّيام بابٌ يُدعَون منه، يُقال له: الرَّيَّان» (وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصَّدَقَةِ) المكثرين منها (دُعِيَ مِنْ بَابِ الصَّدَقَةِ) وفي نسخةٍ: دُعِي من أبواب الصَّدقة بجمع «بابٍ» وليس هذا تكرارًا لما في صدر الحديث؛ حيث قال: «من أنفق زوجين» لأنَّ الإنفاق ولو بالقليل خيٌر من الخيرات العظيمة، وذاك [2] حاصلٌ من [3] كلِّ أبواب الجنَّة، وهذا استدعاءٌ خاصٌّ، وفي «نوادر الأصول»: من أبواب الجنَّة باب محمَّدٍ صلى الله عليه وسلم، وهو باب الرَّحمة وهو [4] باب التَّوبة، وسائر الأبواب مقسومةٌ على أعمال البرِّ: باب الزَّكاة، باب الحجِّ، باب العمرة، وعند عياضٍ: باب الكاظمين الغيظ، باب الرَّاضين، البابُ الأيمن [5] الذي يدخل منه من لا حساب عليه، وعند الآجُرِّيِّ [6] عن أبي هريرة مرفوعًا: «إنَّ في الجنَّة بابًا، يُقال له: الضُّحى، فإذا كان يوم القيامة ينادي منادٍ: أين الذين كانوا يديمون [7] صلاة الضُّحى؟ هذا بابكم فادخلوا منه [8]»، وفي «الفردوس» عن ابن عبَّاسٍ يرفعه: «للجنَّة بابٌ يُقال له: الفرح، لا يدخل منه إلَّا مُفرِحُ الصِّبيان»، وعند التِّرمذيِّ: بابٌ للذِّكر، وعند ابن بطَّالٍ: باب الصَّابرين [9]، والحاصل: أنَّ كلَّ من أكثر نوعًا من العبادة خُصَّ ببابٍ يناسبها، يُنادَى منه جزاءً وفاقًا، وقلَّ من [10] يجتمع له العمل بجميع أنواع التَّطوُّعات، ثمَّ إنَّ من يجتمع له ذلك إنَّما يُدعَى من جميع الأبواب على سبيل التَّكريم، وإلَّا فدخوله [11] إنَّما يكون من بابٍ واحدٍ؛ وهو باب العمل الذي يكون أغلب عليه.
(فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: بِأَبِي أَنْتَ) أي: مفديٌّ بأبي (وَأُمِّي يَا رَسُولَ اللهِ؛ مَا عَلَى مَنْ دُعِيَ مِنْ تِلْكَ الأَبْوَابِ مِنْ ضَرُورَةٍ) أي: ليس على المدعوِّ من كلِّ الأبواب ضررٌ، بل له تكرمةٌ وإعزازٌ، وقال ابن المُنيِّر وغيره: يريدُ مِنْ أحد تلك الأبواب خاصَّةً دون غيره من الأبواب، فيكون أطلق الجمع وأراد الواحد، وقال ابن بطَّالٍ: يريد أنَّ [12] مَنْ لم يكن إلَّا من أهل خصلةٍ واحدةٍ من هذه الخصال، ودُعِي من بابها لا ضرر عليه؛ لأنَّ الغاية المطلوبة دخول [13] الجنَّة، وقال في «شرح المشكاة»: لمَّا خصَّ كلَّ بابٍ بمن أكثر نوعًا من العبادة وسمع الصِّدِّيق رضي الله عنه رَغِبَ [14] في أن يُدعَى من كلِّ بابٍ، وقال: ليس على من دُعِيَ من تلك الأبواب ضررٌ، بل شرفٌ وإكرامٌ ثمَّ [15] سأل فقال: (فَهَلْ يُدْعَى أَحَدٌ مِنْ تِلْكَ الأَبْوَابِ) ويختصُّ بهذه الكرامة (كُلِّهَا؟ قَالَ) عليه الصلاة والسلام: (نَعَمْ) يُدعَى منها كلِّها على سبيل التَّخيير في الدُّخول من أيِّها شاء لاستحالة الدُّخول من الكلِّ معًا [16] (وَأَرْجُو أَنْ تَكُونَ مِنْهُمْ) الرَّجاء منه صلى الله عليه وسلم واجبٌ، ففيه: أنَّ الصِّدِّيق من أهل هذه الأعمال كلِّها.
وهذا الحديث أخرجه المؤلِّف أيضًا في «فضائل أبي بكر» [خ¦3666]، ومسلمٌ في «الزَّكاة»، والتِّرمذيُّ في «المناقب»، والنَّسائيُّ فيه وفي «الزَّكاة» و«الصَّوم» و«الجهاد».
ج3ص349


[1] «ما»: ليس في (د).
[2] في (د): «وذلك».
[3] في (ص): «في».
[4] «هو»: ليس في (د).
[5] في (د): «الأوَّل».
[6] في هامش (ص): (قوله: «الآجُرِّيِّ» بضمِّ الجيم وتشديد الرَّاء المهملة نسبةً إلى عمل الآجرِّ وبيعه، وإلى درب الآجرِّ. انتهى «لب»، وإلى نزيَّةٍ ببغداد منها الحافظ الكبير أبو بكرٍ محمَّد بن الحسين البغداديُّ الحنبليُّ، نزيل مكَّة، صاحب كتاب «الشَّريعة والتَّفرُّد والعزلة»). انتهى عجمي.
[7] في (د): (يُصَلُّون).
[8] «منه»: مثبتٌ من (ب) و(س) و(د).
[9] في (د): «للصَّابرين».
[10] «من»: ليس في (د).
[11] في (م): «وإلَّا قد حقَّ له»، وهو تحريفٌ.
[12] في (د): «أنَّه».
[13] في (د): «دخوله».
[14] «رغب»: ليس في (م).
[15] «ثمَّ»: مثبتٌ من (ب) و(س).
[16] في (د): «الأوَّل».