إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

حديث: العجماء جبار والبئر جبار والمعدن جبار

          1499- وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ قال: (أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) الإمام (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ (عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ، وَعَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بفتح لام «سلَمة»، كلاهما (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ☺ ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلعم قَالَ: العَجْمَاءُ) بفتح العين المهملة وسكون الجيم والمدِّ، أي: البهيمة؛ لأنَّها لا تتكلَّم (جُبَارٌ) بضمِّ الجيم وتخفيف المُوحَّدة، أي: هدرٌ غير مضمونٍ، ولمسلمٍ: «جرحها جبارٌ»، ولا بدَّ في رواية البخاريِّ من تقديرٍ؛ إذ لا معنى لكون(1) العجماء نفسها هدرًا، وقد دلَّت رواية مسلمٍ على أنَّ ذلك المُقدَّر هو «الجرح»، فوجب المصير له(2)، لكنَّ الحكم غير مختصٍّ به، بل هو مثالٌ نبَّه به(3) على غيره، ولو لم تكن روايةٌ أخرى على تعيين ذلك المُقدَّر؛ لم يكن لرواية البخاريِّ عمومٌ في جميع المُقدَّرات التي يستقيم الكلام بتقدير واحدٍ منها، هذا هو الصَّحيح في الأصول: أنَّ(4) المقتضى(5) لا عموم له، والمراد أنَّها إذا انفلتت فصدمت(6) إنسانًا، فأتلفته أو أتلفت مالًا؛ فلا غرم على مالكها، أمَّا إذا كان معها؛ فعليه ضمان ما أتلفته، سواءٌ أتلفته(7) ليلًا أو نهارًا، وسواءٌ كان سائقها أو راكبها أو قائدها، وسواءٌ كان مالكها أو أجيره أو مستأجرًا أو مستعيرًا أو غاصبًا، وسواءٌ أتلفت بيدها أو رجلها أو عضِّها أو ذنبها، وقال مالكٌ: القائد والرَّاكب والسَّائق كلُّهم ضامنون لما أصابت الدَّابَّة إلَّا أن ترمح الدَّابَّة من غير أن يُفعَل بها شيءٌ ترمح له، وقال الحنفيَّة: إنَّ الرَّاكب والقائد لا يضمنان ما نفحت الدَّابَّة برجلها أو ذنبها إلَّا إن أوقفها(8) في الطَّريق، واختلفوا في السَّائق؛ فقال القدوريُّ وآخرون: إنَّه ضامنٌ لما أصابت بيدها ورجلها؛ لأنَّ النَّفحة بمرأى عينه، فأمكنه الاحتراز عنها، وقال أكثرهم(9): لا يضمن النَّفحة‼ أيضًا وإن كان يراها؛ إذ ليس على رجلها ما يمنعها به، فلا يمكنه التَّحرُّز عنه؛ بخلاف الكدم(10)؛ لإمكان كبحها(11) بلجامها، وصحَّحه صاحب «الهداية»، وكذا قال الحنابلة: إنَّ الرَّاكب لا يضمن ما تتلفه البهيمة برجلها (وَالبِئْرُ) يحفرها الرَّجل في ملكه أو في مواتٍ، فيسقط فيها رجلٌ، أو تنهار على من استأجره لحفرها، فيهلك (جُبَارٌ) لا ضمانٌ، أمَّا إذا حفرها في طريق المسلمين، أو في ملك غيره بغير إذنه، فتلف فيها إنسانٌ؛ وجب ضمانه على عاقلة حافرها، والكفَّارة في مال الحافر، وإن تلف بها غير الآدميِّ؛ وجب ضمانه في مال الحافر (وَالمَعْدِنُ) إذا حفره في ملكه، أو في مواتٍ أيضًا؛ لاستخراج / ما فيه، فوقع فيه إنسانٌ أو انهار على حافره (جُبَارٌ) لا ضمان فيه أيضًا (وَفِي الرِّكَازِ) دِفْن(12) الجاهليَّة (الخُمُسُ) في عطف(13) الرِّكاز على المعدن دلالةٌ على تغايرهما، وأنَّ الخُمس في الرِّكاز لا في المعدن، واتَّفق الأئمَّة الأربعة وجمهور العلماء على أنَّه سواءٌ كان في دار الإسلام أو في(14) دار الحرب؛ خلافًا للحسن حيث فرَّق _كما مرَّ_ وشرطه النِّصاب والنَّقدان(15) لا الحول، ومذهب أحمد أنَّه لا فرق بين النَّقدين فيه وغيرهما؛ كالنُّحاس والحديد والجواهر؛ لظاهر هذا الحديث، وهو مذهب الحنفيَّة أيضًا؛ لكنَّهم أوجبوا الخُمس وجعلوه فيئًا، والحنابلة أوجبوا رُبع العُشر وجعلوه زكاةً، وعن مالكٍ روايتان؛ كالقولين، وحُكِيَ كلٌّ منهما عن ابن القاسم.
          وهذا الحديث أخرجه مسلمٌ في «الحدود»، والنَّسائيُّ في «الزَّكاة»، وأورده البخاريُّ في «الأحكام» [خ¦6912].


[1] «لكون»: سقط من (د).
[2] في (د): «إليه».
[3] «به»: ليس في (م).
[4] في (م): «لأنَّ».
[5] في (س): «المفتضى»، وهو تصحيفٌ.
[6] في غير (ص) و(م): «وصدمت».
[7] في (د) و(ص): «أتلفت»، وفي (م): «انفلتت».
[8] في (م): «أوقعها»، وهو تصحيفٌ.
[9] في (د): «الأكثرون».
[10] في (د): «الملجم».
[11] في (د): «كسحها»، وهو تحريفٌ.
[12] في (د): «دفين».
[13] في (د) و(م): «وعطف».
[14] «في»: مثبتٌ من (ب) و(س).
[15] في (م): «التَّقدير»، ولعلَّه تحريفٌ.