إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

حديث: خذه إذا جاءك من هذا المال شيء وأنت

1473- وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى ابْنُ بُكَيْرٍ) بضمِّ المُوحَّدة وفتح الكاف، قال: (حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) ابن سعدٍ الإمام (عَنْ يُونُسَ) بن يزيد الأيليِّ (عَنِ) ابن شهابٍ [1] (الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِمٍ أَنَّ) أباه (عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما قَالَ: سَمِعْتُ) أبي (عُمَرَ) بن الخطَّاب رضي الله عنه (يَقُولُ: كَانَ رَسُولُ اللهِ [2] صَلَّى اللهُ عَليهِ وَسَلَّم يُعْطِينِي الْعَطَاءَ) أي: بسبب العمالة _كما في «مسلمٍ»_ لا من الصَّدقات، فليست من جهة الفقر (فَأَقُولُ: أَعْطِهِ مَنْ هُوَ أَفْقَرُ إِلَيْهِ مِنِّي) عبَّر بـ «أفقر» ليفيد نكتةً حسنةً؛ وهي كون الفقير هو الذي يملك شيئًا ما؛ لأنَّه إنَّما يتحقَّق فقيرٌ وأفقرُ؛ إذا كان الفقير له شيءٌ يقلُّ ويكثر، أمَّا لو كان الفقير هو الذي لا شيء له ألبتَّة؛ لكان [3] الفقراء كلُّهم سواءً ليس فيهم أفقر، قاله صاحب «المصابيح» (فَقَالَ) عليه الصلاة والسلام: (خُذْهُ) أي: بالشَّرط المذكور بعد، وزاد في رواية شُعيبٍ عن الزُّهريِّ في «الأحكام» [خ¦7163]: «فتموَّله وتصدَّق به» أي: اقبله وأدخله في ملكك ومالك، وهو يدلُّ على أنَّه ليس من أموال الصَّدقات؛ لأنَّ الفقير لا ينبغي أن يأخذ من الصَّدقات ما يتَّخذه مالًا (إِذَا جَاءَكَ مِنْ هَذَا الْمَالِ شَيْءٌ) أي: من جنس المال (وَأَنْتَ غَيْرُ مُشْرِفٍ) بسكون الشِّين المعجمة بعد الميم المضمومة، والجملة حاليَّةٌ، أي: غير طامعٍ، والإشراف أن يقول مع نفسه: يبعث إليَّ فلانٌ بكذا (وَلَا سَائِلٍ) أي: ولا طالبٍ له، وجواب الشَّرط في قوله: «إذا جاءك» قولُه: (فَخُذْهُ) وأطلق الأخذ أوَّلًا وعلَّقه [4] ثانيًا بالشَّرط، فحمل المُطلَق على المُقيَّد، وهو مُقيَّدٌ أيضًا بكونه حلالًا، فلو شكَّ فيه؛ فالاحتياط الرَّدُّ؛ وهو الورع نعم؛ يجوز أخذه عملًا بالأصل، وقد رهن الشَّارع عليه الصلاة والسلام درعه عند يهوديٍّ، مع علمه بقوله تعالى في اليهود: {سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ} [المائدة: 42] وكذلك أخذ منهم الجزية مع العلم بأنَّ أكثر أموالهم من ثمن الخنزير والخمر والمعاملة الفاسدة، وقِيلَ: يجب أن يُقبَل من السُّلطان دون غيره؛ لحديث سَمُرَة المرويِّ في «السُّنن»: «إلَّا أن يسأل ذا سلطانٍ» (وَمَا لَا) يكون على هذه الصِّفة بأن لم يجئ إليك، ومالت نفسك إليه (فَلَا تُتْبِعْهُ نَفْسَكَ) في الطَّلب واتركه، وأخرجه المؤلِّف أيضًا [خ¦7163]، ومسلمٌ في «الزَّكاة»، وكذا النَّسائيُّ.
ج3ص62


[1] في غير (د) و(س): «عن الزُّهريِّ ابن شهابٍ».
[2] في (د): «النَّبيُّ».
[3] في غير (د) و(م): «كان»، والمثبت هو الصَّواب.
[4] في غير (د) و(س): «وعقله».