إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

حديث: تصدقن ولو من حليكن

1466- وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ) قال: (حَدَّثَنَا أَبِي) حفص بن غياث بن طَلْقٍ، قال [1]: (حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ) سليمان بن مهران (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (شَقِيقٌ) أبو وائلٍ (عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ) بفتح العين وسكون الميم، ابن أبي ضِرارٍ _بكسر الضَّاد المعجمة_ الخزاعيِّ، له صحبةٌ، وهو أخو جويرية بنت الحارث أمِّ المؤمنين (عَنْ زَيْنَبَ) بنت معاوية، أو بنت عبد الله ابن معاوية بن عتَّابٍ الثَّقفيَّة، وتُسمَّى أيضًا برايطة (امْرَأَةِ عَبْدِ اللهِ) بن مسعودٍ (رَضِيَ اللهُ عَنْهُما قَالَ) الأعمش: (فَذَكَرْتُهُ) أي: الحديث (لإِبْرَاهِيمَ) بن يزيد النَّخعيِّ (فَحَدَّثَنِي) بالإفراد (إِبْرَاهِيمُ) النَّخعيُّ (عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ) بضمِّ العين وفتح المُوحَّدة، عامر بن عبد الله بن مسعودٍ (عَنْ عَمْرِو ابْنِ الْحَارِثِ، عَنْ زَيْنَبَ امْرَأَةِ عَبْدِ اللهِ) بن مسعودٍ (بِمِثْلِهِ) أي [2]: بمثل هذا [3] الحديث (سَوَاءً، قَالَتْ: كُنْتُ فِي الْمَسْجِدِ) النَّبويِّ (فَرَأَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَليهِ وَسَلَّم فَقَالَ:) يا معشر النِّساء (تَصَدَّقْنَ وَلَوْ مِنْ حليِّكُنَّ) بضمِّ الحاء وكسر اللَّام وتشديد المُثنَّاة التَّحتيَّة، جمعًا؛ كذا في الفرع وأصله، ويجوز فتح الحاء وسكون اللَّام، مفردًا (وَكَانَتْ زَيْنَبُ تُنْفِقُ عَلَى) زوجها (عَبْدِ اللهِ) بن مسعودٍ (وَأَيْتَامٍ فِي حَجْرِهَا) لم يعرف الحافظ ابن حجرٍ اسمهم (فَقَالَتْ) ولغير أبي ذرٍّ وابن عساكر: ((قال: فقالت)) (لِعَبْدِ اللهِ) زوجها: (سَلْ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَليهِ وَسَلَّم: أَيجْزِئ) بضمِّ الياء وآخره همزةٌ، وفي بعض الأصول _وهو الذي في «اليونينيَّة»_: ((أيَجزي))؛ بفتح الياء، أي: هل يكفي (عَنِّي أَنْ أُنْفِقَ عَلَيْكَ وَعَلَى أَيْتَامِي) بياء الإضافة، ولأبي ذرٍّ: ((على أيتامٍ)) (فِي حَجْرِي مِنَ الصَّدَقَةِ؟) الواجبة أو أعمُّ (فَقَالَ) ابن مسعودٍ: (سَلِي أَنْتِ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَليهِ وَسَلَّم) قالت زينب: (فَانْطَلَقْتُ إِلَى النَّبِيِّ) ولأبي ذرٍّ: ((إلى رسول الله)) (صَلَّى اللهُ عَليهِ وَسَلَّم، فَوَجَدْتُ امْرَأَةً مِنَ الأَنْصَارِ) هي زينب امرأة أبي مسعودٍ؛ يعني: عقبة بن عمرٍو الأنصاريُّ؛ كما عند ابن الأثير في «أسد الغابة»، وفي رواية الطَّيالسيِّ: فإذا امرأةٌ من الأنصار يُقال لها: زينب (عَلَى الْبَابِ، حَاجَتُهَا مِثْلُ حَاجَتِي، فَمَرَّ عَلَيْنَا بِلَالٌ) المؤذِّن (فَقُلْنَا) له: (سَلِ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَليهِ وَسَلَّم: أَيجْزِي) بضمِّ الياء أو فتحها (عَنِّي أَنْ أُنْفِقَ عَلَى زَوْجِي وَأَيْتَامٍ لِي فِي حَجْرِي؟) بإفراد الضَّمير فيها، وكان الظَّاهر أن يُقال: «عنَّا» و«ننفق»، وكذا باقيها، وأجاب الكرمانيُّ بأنَّ المراد كلُّ واحدةٍ منا، أو اكتفت في الحكاية بحال نفسها، لكن قال البرماويُّ: فيه نظرٌ [4]، وفي رواية النَّسائيِّ: على أزواجنا وأيتامٍ في حجورنا، وللطَّيالسيِّ: أنَّهم بنو أخيها وبنو أختها، وللنَّسائيِّ أيضًا من طريق علقمة: لإحداهما فضل مالٍ وفي حجرها بنو أخٍ لها أيتامٌ، وللأخرى: فضل مالٍ وزوجٌ خفيفُ ذاتِ اليد، أي: فقيرٌ.
(وَقُلْنَا) أي: السَّائلتان، وللحَمُّويي والمُستملي والكُشْمِيْهَنِيِّ: ((فقلنا)) بالفاء بدل الواو، لبلالٍ: (لَا تُخْبِرْ بِنَا) بجزم الرَّاء، أي: لا تعيِّن اسمينا [5]، بل قل: تسألك امرأتان (فَدَخَلَ) بلالٌ على رسول الله صلى الله عليه وسلم (فَسَأَلَهُ) عن ذلك (فَقَالَ) عليه الصلاة والسلام: (مَنْ هُمَا) المرأتان؟ (قَالَ) بلالٌ معيِّنًا لإحداهما؛ لوجوبه عليه بطلب الرَّسول عليه الصلاة والسلام: هي (زَيْنَبُ، قَالَ) عليه الصلاة والسلام: (أَيُّ الزَّيَانِبِ؟) أي: أيُّ زينب منهنَّ [6]؟ فعُرِّف باللَّام مع كونه علمًا لما نُكِّر حتَّى جُمِع (قَالَ) بلالٌ: زينب (امْرَأَةُ عَبْدِ اللهِ) بن مسعودٍ، ولم يذكر بلالٌ في الجواب معها زينب امرأة أبي مسعودٍ الأنصاريِّ؛ اكتفاءً باسم من هي أكبر وأعظم (قَالَ) عليه الصلاة والسلام، ولأبوي ذَرٍّ والوقت: ((فقال)): (نَعَمْ) يجزي عنها (وَلَهَا أَجْرَانِ: أَجْرُ الْقَرَابَةِ) أي: صلة الرَّحم (وَأَجْرُ الصَّدَقَةِ) أي: ثوابها [7]، قال المازريُّ: الأظهر حمله على الصَّدقة الواجبة لسؤالها عن الإجزاء، وهذا اللَّفظ إنَّما يُستعمَل في
ج3ص55
الواجبة. انتهى. وعليه يدلُّ تبويب البخاريِّ، لكنَّ ما ذكره من أنَّ الإجزاء إنَّما يُستعمَل في الواجب إن أراد قولًا واحدًا؛ فليس كذلك؛ لأنَّ الأصوليِّين اختلفوا في المسألة، فذهب قومٌ إلى أنَّ الإجزاء يعمُّ الواجب والمندوب، وخصَّه آخرون بالواجب ومنعوه في المندوب، واعتمده المازريُّ ونصره القرافيُّ [8] والأصفهانيُّ، واستبعده الشَّيخ تقيُّ الدِّين السُّبكيُّ، وقال: إنَّ كلام الفقهاء يقتضي أنَّ المندوب يُوصَف بالإجزاء كالفرض، وقد تعقَّب القاضي عياضٌ المازريُّ بأنَّ قوله: «ولو من حليِّكن»، وقوله فيما ورد في بعض الرِّوايات عند الطَّحاويِّ وغيره: أنَّها كانت امرأةً صنعاء اليدين، فكانت تنفق عليه وعلى ولده، يدلَّان على أنَّها صدقة تطوُّعٍ، وبه جزم النَّوويُّ وغيره، وتأوَّلوا قوله: «أيجزئ عنِّي»؟ أي: في الوقاية من النَّار، كأنَّها خافت أنَّ صدقتها على زوجها لا تحصِّل لها المراد.
وقد سبق الحديث في «باب الزَّكاة على الأقارب» [خ¦1462] وفيه: أنَّها شافهت النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم بالسُّؤال وشافهها، وههنا [9] لم تقع مشافهةٌ، فقِيلَ: تُحمَل الأولى على المجاز، وإنَّما هي على لسان بلالٍ، والظَّاهر أنَّهما قضيَّتان: إحداهما: في سؤالها عن تصدُّقها بحليِّها على زوجها وولده، والأخرى: في سؤالها عن النَّفقة.
وفي هذا الحديث التَّحديث والعنعنة والقول، ورواته كلُّهم كوفيُّون إلَّا عمرو بن الحارث، وفيه رواية صحابيٍّ عن صحابيَّةٍ وتابعيٍّ عن تابعيٍّ عن صحابيٍّ، وفي الطَّريق الثَّانية: أربعةٌ من التَّابعين؛ وهم: الأعمش وشقيقٌ وإبراهيم وأبو عبيدة، وأخرجه مسلمٌ في «الزَّكاة»، والنَّسائيُّ في «عِشْرة النِّساء»، وابن ماجه في «الزَّكاة».
ج3ص56


[1] زيد في (م): «قال»، وهو تكرار.
[2] «أي»: ليس في (د).
[3] «هذا»: ليس في (د).
[4] قوله: «لكن قال البرماويُّ: فيه نظرٌ»، ليس في (م).
[5] في غير (د): «اسمنا».
[6] زيد في (م): «لكن قال البرماويُّ»، وليس بصحيحٍ.
[7] في (د): «نوابها»، وهو تصحيفٌ.
[8] في (م): «العراقيُّ»، ولعلَّه تصحيفٌ.
[9] في (د): «وهنا».