إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

حديث: أيها الناس تصدقوا

1462- وبه قال: (حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ) هو سعيد بن محمَّد بن الحكم بن أبي مريم الجمحيُّ قال: (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ) هو ابن أبي كثيرٍ، الأنصاريُّ (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (زَيْدٌ) أبو أسامة العدويُّ، ولأبي ذرٍّ: ((هو ابن أسلم)) (عَنْ عِيَاضِ بْنِ عَبْدِ اللهِ) بن سعدٍ، القرشيِّ العامريِّ (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ) سعد بن مالك (الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ) قال: (خَرَجَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَليهِ وَسَلَّم فِي) عيد (أَضْحًى) بفتح الهمزة وتنوين الحاء (أَوْ) عيد (فِطْرٍ إِلَى الْمُصَلَّى، ثُمَّ انْصَرَفَ فَوَعَظَ النَّاسَ وَأَمَرَهُمْ بِالصَّدَقَةِ فَقَالَ [1]: أَيُّهَا النَّاسُ؛ تَصَدَّقُوا [2]، فَمَرَّ عَلَى النِّسَاءِ [3] فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ النِّسَاءِ؛ تَصَدَّقْنَ؛ فَإِنِّي رَأَيْتُكُنَّ) وللحَمُّويي والمُستملي: ((أُريتكنَّ)) بهمزةٍ مضمومةٍ قبل الرَّاء، و«أرى» يتعدَّى إلى ثلاثة مفاعيل، والتَّاء هي المفعول
ج3ص51
الأوَّل، وهي في [4] محلِّ رفعٍ، نائبٌ عن الفاعل، والكاف والنُّون في موضع نصب المفعول الثَّاني، والثَّالث قوله: (أَكْثَرَ أَهْلِ النَّارِ، فَقُلْنَ: وَبِمَ) استفهامٌ حُذِفَ منه الألف (ذَلِكَ) وللكُشْمِيْهَنِيِّ: ((ذاك)) بألفٍ بدل اللَّام باسم الإشارة للمتوسِّط [5] (يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: تُكْثِرْنَ اللَّعْنَ) الشَّتم (وَتَكْفُرْنَ الْعَشِيرَ) الزَّوج، أي: تسترن إحسان الأزواج إليكنَّ وتجحدنه (مَا رَأَيْتُ مِنْ نَاقِصَاتِ عَقْلٍ وَدِينٍ أَذْهَبَ لِلُبِّ الرَّجُلِ) أي: لعقله، وللكُشْمِيْهَنِيِّ: ((بلبِّ)) بالمُوحَّدة بدل اللَّام (الْحَازِمِ) بالحاء المهملة والزَّاي: الضَّابط لأمره (مِنْ إِحْدَاكُنَّ يَا مَعْشَرَ النِّسَاءِ) يعني: أنَّهنَّ إذا أردن شيئًا غَالَبْنَ الرِّجال عليه حتَّى يفعلوه، سواءٌ كان صوابًا أو خطأً (ثُمَّ انْصَرَفَ) عليه الصلاة والسلام (فَلَمَّا صَارَ) انصرف [6] (إِلَى مَنْزِلِهِ؛ جَاءَتْ زَيْنَبُ) بنت معاوية أو بنت عبد الله بن معاوية بن عتَّابٍ الثَّقفيَّة، ويُقال لها أيضًا: رايطة، وقع ذلك في «صحيح ابن حبَّان» نحو هذه القصَّة، ويُقال: هما ثنتان عند الأكثر، وممَّن جزم به ابن سعدٍ، وقال الكلاباذيُّ: رايطة هي المعروفة بزينب، وبه جزم الطَّحاويُّ فقال: رايطة هي زينب (امْرَأَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ) عبد الله (تَسْتَأْذِنُ عَلَيْهِ، فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ) القائل بلالٌ (هَذِهِ زَيْنَبُ، فَقَالَ) عليه الصلاة والسلام: (أَيُّ الزَّيَانِبِ [7]؟) أي: أيُّ زينبٍ منهنَّ؟ فعُرِّف باللَّام مع كونه علمًا لما نُكِّر حتَّى جُمِعَ (فَقِيلَ: امْرَأَةُ ابْنِ [8] مَسْعُودٍ، قَالَ: نَعَمِ، ائْذَنُوا لَهَا، فَأُذِنَ لَهَا) بضمِّ الهمزة وكسر الذَّال [9]، فلمَّا دخلت (قَالَتْ: يَا نَبِيَّ اللهِ؛ إِنَّكَ أَمَرْتَ الْيَوْمَ بِالصَّدَقَةِ، وَكَانَ عِنْدِي حُلِيٌّ) بضمِّ المهملة وكسر اللَّام (لِي، فَأَرَدْتُ أَنْ أَتَصَدَّقَ بِهِ، فَزَعَمَ ابْنُ مَسْعُودٍ أَنَّهُ وَوَلَدَهُ) بالنَّصب، عطفًا على الضَّمير (أَحَقُّ مَنْ تَصَدَّقْتُ بِهِ عَلَيْهِمْ) وهذا يحتمل أن يكون من [10] مسند أبي سعيدٍ بأن كان حاضرًا عند النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم عند المراجعة، ويحتمل أن يكون حمله عن زينب صاحبة القصَّة (فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَليهِ وَسَلَّم: صَدَقَ ابْنُ مَسْعُودٍ، زَوْجُكِ وَوَلَدُكِ أَحَقُّ مَنْ تَصَدَّقْتِ بِهِ عَلَيْهِمْ).
ووجهُ مطابقته للتَّرجمة شمولُ الصَّدقة للفرض والنَّفل وإن كان السِّياق قد يرجِّح النَّفل، لكنَّ القياس يقتضي عمومه، قاله البرماويُّ كغيره، واحتجَّ به على جواز دفع زكاة المرأة لزوجها الفقير، وهو مذهب الشَّافعيَّة وأحمد في روايةٍ، ومنعه أبو حنيفة ومالكٌ وأحمد في روايةٍ، وأجابوا عن الحديث بأنَّ قوله في الرِّواية الآتية _إن شاء الله تعالى_ في «باب الزَّكاة على الزَّوج والأيتام في الحجر»: «ولو من حُليِّكنَّ» [خ¦1466] يدلُّ على التَّطوُّع، وبه جزم النَّوويُّ، واحتجُّوا أيضًا بظاهر قوله: «زوجكِ وولدكِ أحقُّ من تصدَّقت به عليهم»؛ لأنَّه يدلُّ على أنَّها صدقة تطوُّعٍ؛ لأنَّ الولد لا يُعطَى من الزَّكاة الواجبة إجماعًا، وأُجيب بأنَّ الذي يمتنع إعطاؤه من الصَّدقة الواجبة من يلزم المعطي نفقته، والأمُّ لا يلزمها نفقة ولدها [11] مع وجود أبيه، وأُجيب بأنَّ الإضافة للتَّربية لا للولادة، فكأنَّه ولده [12] من غيرها، وتعليل منعها من إعطاء الزَّوج _بعَوْدِ ما تعطيه له إليها في النَّفقة، فكأنَّها لم تخرج عنها_ مُعارَضٌ بوقوع ذلك في التَّطوُّع أيضًا، ويلزم منه إبطاله، فتأمَّل.
والحديث يأتي قريبًا في «باب الزَّكاة على الزَّوج والأيتام في الحجر» [خ¦1466] إن شاء الله تعالى.
ج3ص52


[1] زيد في (د): «يا».
[2] في (ص): «فتصدَّقوا».
[3] في هامش (ص): (قوله: «فمرَّ على النِّساء»، أي: في ليلة الإسراء؛ كما تقدَّم في كتاب «الحيض» [خ¦304] من الشَّارح، وفي «الكسوف» [خ¦1052] أنَّ الرُّؤية وقعت فيه). انتهى من «تقرير شيخنا العجميِّ».
[4] «في»: ليس في (ص) و(م).
[5] «باسم الإشارة للمتوسِّط»: جاء في غير (د) بعد قوله: «ذلك»، وسقط من (م)، ولعلَّ المثبت هو الصَّواب.
[6] «انصرف»: مثبتٌ في (م).
[7] في (ص): «الزَّنايب»، وهو تصحيفٌ.
[8] «ابن»: سقط من (ص).
[9] «وكسر الذَّال»: مثبتٌ من (ب) و(س).
[10] في (د): «يحتمل أنَّه من».
[11] في (د): «الولد».
[12] في (د) و(م): «ولدها».