إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

حديث: مثل البخيل والمتصدق كمثل رجلين

1443- وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا مُوسَى) بن إسماعيل التَّبوذكيُّ قال: (حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ) بضمِّ الواو مُصغَّرًا، ابن خالدٍ قال: (حَدَّثَنَا ابْنُ طَاوُسٍ) عبد الله (عَنْ أَبِيهِ) طاوسٍ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ [1] صَلَّى اللهُ عَليهِ وَسَلَّم: مَثَلُ الْبَخِيلِ وَالْمُتَصَدِّقِ) وفي الرِّواية اللَّاحقة: «والمنفق» (كَمَثَلِ رَجُلَيْنِ، عَلَيْهِمَا جُبَّتَانِ مِنْ حَدِيدٍ) بضمِّ الجيم وتشديد المُوحَّدة، ولم يَسُق المؤلِّف تمام هذا المتن في هذه الطَّريق، نعم؛ أخرجه بهذا الإسناد في «الجهاد» [خ¦2917] عن موسى بتمامه، ولفظه: «مَثَلُ البخيل والمتصدِّق مَثَلُ رجلين، عليهما جُبَّتان _بالمُوحَّدة_ من حديدٍ قد اضطَرَّتْ أيديَهما إلى تراقِيهِما، فكلَّما هَمَّ المتصدِّق بصدقته؛ اتِّسعت [2] عليه حتَّى تُعَفِّي أثرَه، وكلَّما هَمَّ البخيل بالصَّدقة؛ انقبضت كلُّ حَلْقَةٍ إلى صاحبتها وتقلَّصت عليه، وانضمَّت يداه إلى تَرَاقِيهِ»، فسمع النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم يقول: «فيجتهد أن يوسِّعها فلا تتَّسع»، وأخرجه مسلمٌ أيضًا في «الزَّكاة»، وكذا النَّسائيُّ.
1444- قال المؤلِّف بالسَّند: «ح» [3]: (وَحَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ) الحكم بن نافعٍ قال: (أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) هو ابن أبي حمزة قال: (حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ) بكسر الزَّاي وفتح النُّون، عبد الله بن ذكوان (أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ) الأعرج (حَدَّثَهُ: أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَليهِ وَسَلَّم يَقُولُ: مَثَلُ الْبَخِيلِ وَالْمُنْفِقِ) وفي السَّابقة: «والمتصدِّق» (كَمَثَلِ رَجُلَيْنِ، عَلَيْهِمَا جُبَّتَانِ) بضمِّ الجيم وتشديد المُوحَّدة، كالسَّابقة، ومن رواه هنا [4] بالنُّون بدل المُوحَّدة فقد صحَّف، نعم؛ قال في «الفتح»: اختُلِف في رواية الأعرج هذه، والأكثر أنَّها بالمُوحَّدة أيضًا، وفي رواية حنظلة وابن هرمز عند المؤلِّف بالنُّون؛ كما يأتي قريبًا _إن شاء الله تعالى_ [خ¦1444] وهي بالمُوحَّدة: ثوبٌ مخصوصٌ، ولا مانع من إطلاقه على الدِّرع (مِنْ حَدِيدٍ، مِنْ ثُدِيِّهِمَا) بضمِّ المُثلَّثة وكسر الدَّال المهملة وتشديد المُثنَّاة التَّحتيَّة، جمع: ثديٍ (إِلَى تَرَاقِيهِمَا) بفتح أوَّله وكسر القاف، جمع: تَرْقُوَةٍ: العظمين المشرفين في أعلى الصَّدر من رأس المنكبين إلى طرف ثغرة النَّحر (فَأَمَّا الْمُنْفِقُ فَلَا يُنْفِقُ) شيئًا (إِلَّا سَبَغَتْ) بفتح السِّين المهملة والمُوحَّدة المُخفَّفة والغين المُعجَمة، أي: امتدَّت وغطَّت [5] (_أَوْ وَفَرَتْ_) بتخفيف الفاء [6]، من الوفور، والشَّكُّ من الرَّاوي، أي: كملت (عَلَى جِلْدِهِ حَتَّى تُخْفِي) بضمِّ المُثنَّاة الفوقيَّة وسكون الخاء المعجمة وكسر الفاء، أي: تستر (بَنَانَهُ) بفتح المُوحَّدة ونونين؛ الأولى خفيفةٌ، أي: أصابعه، وللحُميديِّ «حتَّى تُجِنَّ»
ج3ص37
بضمِّ أوَّله وكسر الجيم وتشديد النُّون، من أجنَّ الشَّيء؛ إذا ستره، وذكرها الخطَّابيُّ في شرحه للبخاريِّ؛ كرواية الحُميديِّ (وَتَعْفُوَ أَثَرَهُ) بفتح الهمزة [7] والمُثلَّثة، و«تعفوَ» نُصِبَ عطفًا على «تخفيَ»، وكلاهما مسندٌ إلى ضمير الجبَّة [8]، وعفا: يُستعمَل لازمًا ومتعدِّيًا، تقول: عفت الدَّار [9]؛ إذا درست، وعفاها الرِّيحُ؛ إذا طمسها ودرست [10]، وهو في الحديث متعدٍّ، أي: تمحو أثر مشيه لسبوغها؛ يعني: أنَّ الصَّدقة تستر خطايا المتصدِّق؛ كما يستر الثَّوب الذي يجرُّ على الأرض أثرَ مشي لابسه؛ بمرور الذَّيل عليه، فضُرِب المَثَل بدرعٍ سابغةٍ، فاسترسلت عليه حتَّى سترت [11] جميع بدنه، والمراد: أنَّ الجواد إذا همَّ بالصَّدقة انفسح لها صدره، وطابت بها نفسه، فتوسَّعت بالإنفاق (وَأَمَّا الْبَخِيلُ فَلَا يُرِيدُ أَنْ يُنْفِقَ شَيْئًا إِلَّا لَزِقَتْ) بكسر الزَّاي، أي: التصقت (كُلُّ حَلْقَةٍ) بسكون اللَّام (مَكَانَهَا، فَهُوَ يُوَسِّعُهَا وَلَا تَتَّسِعُ) ولأبي الوقت: ((فلا تتَّسع)) بالفاء بدل الواو، وضُرِبَ المَثَلُ برجلٍ أراد أن يلبس درعًا يستجنُّ به، فحالت يداه بينها وبين أن تمرَّ على سائر جسده، فاجتمعت في عنقه، فلزمت ترقوته، والمعنى: أنَّ البخيل إذا حدَّث نفسه بالصَّدقة شحَّت نفسه، وضاق صدره، وانقبضت يداه.
(تَابَعَهُ) أي: تابع ابنَ طاوسٍ (الْحَسَنُ بْنُ مُسْلِمٍ) هو ابن ينَّاقٍ في روايته (عَنْ طَاوُسٍ فِي الْجُبَّتَيْنِ) بالمُوحَّدة، وهذه المتابعة أخرجها المؤلِّف في «اللِّباس» في «باب جيب القميص» [خ¦5797].
(29) (وَقَالَ حَنْظَلَةُ) بن أبي سفيان في روايته (عَنْ طَاوُسٍ: جُنَّتَانِ) بالنُّون بدل المُوحَّدة، وهذا ذكره المؤلِّف أيضًا في «اللِّباس» [خ¦5797] مُعلَّقًا، ووصله الإسماعيليُّ من طريق إسحاق الأزرق [12] عن حنظلة (وَقَالَ اللَّيْثُ) بن سعدٍ: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (جَعْفَرٌ) هو ابن ربيعة (عَنِ ابْنِ هُرْمُزَ) عبد الرَّحمن (سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَليهِ وَسَلَّم: جُنَّتَانِ) بالنُّون أيضًا، ورجحت هذه الرِّواية على السَّابقة، لقوله: «من حديدٍ»، والجُنَّة في الأصل: الحصن، وسُمِّيت بها الدِّرع؛ لأنَّها تجنُّ صاحبها، أي: تحصِّنه.
ج3ص38


[1] في (د): «رسول الله».
[2] في (د): «أسبغت».
[3] «ح»: ليس في (م).
[4] في (ص): «رواها».
[5] في (د) و(م): «وعظمت».
[6] في (م): «الواو»، وليس بصحيحٍ.
[7] في (ص): «المهملة».
[8] في (د): «الجُنَّة».
[9] في غير (ص) و(م): «الدِّيار».
[10] في (م): «دريت»، وهو تحريفٌ.
[11] قوله: «الذي يجرُّ على الأرض أثرَ مشي لابسه... فاسترسلت عليه حتَّى سترت»، ليس في (م).
[12] في غير (ص) و(م): «الأزرقيِّ» والمثبت موافقٌ لكتب التَّراجم.