إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

حديث: من تصدق بعدل تمرة من كسب طيب

1410- وبه قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي الوقت: ((حدَّثني)) (عَبْدُ اللهِ بْنُ مُنِيرٍ) بضمِّ الميم وكسر النُّون، أنَّه (سَمِعَ أَبَا النَّضْرِ) بفتح النُّون وسكون الضَّاد المعجمة، سالم بن أبي أميَّة قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ _هُوَ ابْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ_ عَنْ أَبِيهِ) عبد الله (عَنْ أَبِي صَالِحٍ) ذكوان السَّمَّان (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صَلَّى اللهُ عَليهِ وَسَلَّم: مَنْ تَصَدَّقَ بِعدْلِ تَمْرَةٍ) بمُثنَّاةٍ فوقيَّةٍ وسكون الميم، و«العَدل» عند الجمهور بفتح العين: المثل، وبالكسر: الحِمل _بكسر الحاء_ أي: بقيمة تمرة (مِنْ كَسْبٍ طَيِّبٍ) حلالٍ (وَلَا يَقْبَلُ اللهُ إِلَّا الطَّيِّبَ) جملةٌ معترضةٌ بين الشَّرط والجزاء؛ تأكيدًا لتقرير المطلوب في النَّفقة (وَإِنَّ اللهَ) بالواو، ولأبي الوقت: ((فإنَّ الله)) (يَتَقَبَّلُهَا) بمُثنَّاةٍ فوقيَّةٍ بعد التَّحتيَّة (بِيَمِينِهِ) قال الخطَّابيُّ: ذكر اليمين لأنَّها في العُرف لمِا عَزَّ، والأخرى لمِا هان، وقال ابن اللَّبَّان: نسبة الأيدي إليه تعالى استعارةٌ لحقائق أنوارٍ علويَّةٍ يظهر عنها تصرُّفه وبطشه بدءًا وإعادةً، وتلك الأنوار متفاوتةٌ في روح القرب، وعلى حسب تفاوتها وسعة دوائرها تكون رتبة التَّخصيص لمِا ظهر عنها، فنورُ الفضل باليمين، ونورُ العدل باليد الأخرى، والله سبحانه وتعالى يتعالى [1] عن الجارحة، وعند [2] البزَّار من حديث عائشة: «فيتلقَّاها الرَّحمن بيده». (ثُمَّ يُرَبِّيهَا لِصَاحِبِهِ) وللكُشْمِيْهَنِيِّ: ((لصاحبها)) بمضاعفة الأجر أو المزيد في الكميَّة (كَمَا يُرَبِّي أَحَدُكُمْ فَلُوَّهُ) بفتح الفاء وضمِّ اللَّام وفتح الواو المُشدَّدة؛ المُهْر حين يُفطَم، وهو حينئذٍ يحتاج إلى تربية غير الأمِّ، والذي في «اليونينيَّة»: ((فَلْوَه)) بفتح الفاء وسكون اللَّام وفتح الواو (حَتَّى تَكُونَ) بالمُثنَّاة الفوقيَّة، أي: حتَّى تكون التَّمرة (مِثْلَ الْجَبَلِ) لتثقل في ميزانه، أو المراد: الثَّواب، وفي رواية القاسم عند التِّرمذيِّ: «حتَّى أنَّ اللَّقمة لتَصير مثل أُحُدٍ»، وضرب المَثَل بالمُهْر؛ لأنَّه يزيد زيادةً بيِّنةً، ولأنَّ الصَّدقة نتاج العمل وأحوج ما يكون النِّتاج إلى التَّربية إذا كان فطيمًا، فإذا أحسن العناية به. انتهى. إلى حدِّ الكمال، وكذلك الصَّدقة، فإنَّ العبد إذا تصدَّق من كسبٍ طيِّبٍ؛ لا يزال نظرُ اللهِ إليها يُكسبها نعت الكمال حتَّى تنتهي بالتَّضعيف إلى نصابٍ تقع [3] المناسبة بينه وبين ما قدَّم؛ نسبةَ ما بين التَّمرة إلى الجبل؛ كما قاله في «الفتح».
(تَابَعَهُ) أي: تابع عبد الرَّحمن (سُلَيْمَانُ) بن بلالٍ (عَنِ ابْنِ دِينَارٍ) عبد الله، وهذه المتابعة ذكرها المصنِّف في «التَّوحيد» [خ¦7430] لكن بمخالفةٍ يسيرةٍ في اللَّفظ، ووصلها أبو عَوانة وغيره.
(وَقَالَ) ممَّا وقع له مذاكرةً (وَرْقَاءُ) بن عمر (عَنِ ابْنِ دِينَارٍ) عبد الله (عَنْ سَعِيدِ بْنِ يَسَارٍ) بالتَّحتيَّة والمهملة المُخفَّفة (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَليهِ وَسَلَّم) وقد خالف ورقاءُ عبدَ الرَّحمن بن سليمان [4]، فجعل شيخ ابن دينارٍ فيه سعيد بن يسارٍ بدل أبي صالحٍ، قال الحافظ ابن حجرٍ: ولم أقف على رواية ورقاء هذه موصولة، وقال العينيُّ: وصلها البيهقيُّ في «سننه» من رواية أبي النَّضر هاشم بن القاسم، حدَّثنا ورقاء، [5]وقال الزَّين [6] العراقيُّ: رويناه في الجزء الرَّابع من
ج3ص15
فوائد أبي بكرٍ الشَّافعيِّ، قال: حدَّثنا محمَّدٌ _يعني: ابن غالبٍ_: حدَّثنا عبد الصَّمد: حدَّثنا ورقاء.
وقال الحافظ ابن حجرٍ في «كتاب التَّوحيد» من «فتحه» [خ¦7430]: وقد ذكرت في [7] الزَّكاة أنِّي لم أقف على رواية ورقاء هذه المُعلَّقة، ثمَّ وجدتها بعد ذلك عند كتابتي هنا، فقد وصلها البيهقيُّ [8].
(وَرَوَاهُ) أي: الحديث المذكور (مُسْلِمُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ) السُّلَمِيُّ المدنيُّ، ممَّا وصله القاضي يوسف بن يعقوب في «كتاب الزَّكاة» له (وَزَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ وَسُهَيْلٌ) ممَّا وصله عنهما مسلمٌ (عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَليهِ وَسَلَّم) ووقع في رواية أبي ذرٍّ بعد قوله في التَّرجمة: ((ولا تُقبَل إلَّا من كسبٍ طيِّبٍ لقوله: {قَوْلٌ مَعْرُوفٌ})) أي: كلامٌ حسنٌ وردٌّ جميلٌ، (({وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِن صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى وَاللهُ غَنِيٌّ})) عن إنفاق كلِّ منفقٍ (({حَلِيمٌ})) لا يعجِّل بالعقوبة، ((باب فضل الصَّدقة من كسبٍ)) أي: مكسوبٍ، والمراد: ما هو أعمُّ من تعاطي التَّكسُّب فيدخل الميراث، وذكر الكسب؛ لأنَّه الغالب في تحصيل المال ((طيِّبٍ)) حلالٍ؛ ((لقوله تعالى: {وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ}))، وذكر بقيَّة الآية والحديث كما سبق، وعزا الحافظ ابن حجرٍ الباب والتَّرجمة للمُستملي والكُشْمِيْهَنِيِّ، وعلى هذا فتخلو ترجمة: «لا تُقبَل صدقةٌ من غلولٍ» من حديثٍ، وتكون كالتي قبلها في الاقتصار على الآية، لكن تزيد عليها بالإشارة إلى لفظ الحديث الذي في التَّرجمة؛ كما وقع التَّنبيه عليه.
ج3ص16


[1] في غير (ص) و(م): «متعالٍ».
[2] في (د): «وعن».
[3] في (د): «نصيبٍ يقع».
[4] في النُّسخ جميعها: «عبد الرَّحمن بن سليمان»، وفي هامش (ص): (قوله: «عبد الرَّحمن بن سليمان»؛ كذا بخطِّه، والذي في «الفتح»: عبد الرَّحمن وسليمان). انتهى.
[5] زيد في (ص): «قال».
[6] في (د): «ابن العراقيِّ».
[7] في (د): «كتاب».
[8] قوله: «وقال الحافظ ابن حجرٍ في كتاب التَّوحيد... كتابتي هنا، فقد وصلها البيهقيُّ»، ليس في (م).