إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

حديث: لو كنت ثم لأريتكم قبره إلى جانب الطريق

3407- وبه قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ مُوسَى) المعروف بخَتٍّ _بفتح الخاء المعجمة وتشديد الفوقيَّة_ قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن همَّامٍ الحميريُّ مولاهم الصَّنعانيُّ قال: (أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ) هو ابن راشدٍ (عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ) عبد الله (عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ) أنَّه (قَالَ: أُرْسِلَ مَلَكُ الْمَوْتِ) أي: أرسل الله ملك الموت (إِلَى مُوسَى عَلَيْهِمَا السَّلَامُ) في صورة آدميٍّ، وكان عمر موسى إذ ذاك مئةً وعشرين سنةً (فَلَمَّا جَاءَهُ) ظنَّه آدميًّا حقيقة تسوَّر عليه منزله بغير إذنه ليوقع به مكروهًا، فلمَّا تصوَّر ذلك (صَكَّهُ) ولأبي الوقت: ((فصكَّه)) أي: لطمه على عينه الَّتي رُكِّبت في الصُّورة البشريَّة دون الصُّورة المَلَكيَّة، ففقأها. وعند أحمد: «أنَّ [1] ملك الموت كان [2] يأتي النَّاس عيانًا، فأتى موسى فلطمه ففقأ عينه» (فَرَجَعَ) ملك الموت (إِلَى رَبِّهِ، فَقَالَ): ربِّ (أَرْسَلْتَنِي إِلَى عَبْدٍ لَا يُرِيدُ الْمَوْتَ) زاد في «باب من أحبَّ الدَّفن في الأرض المقدَّسة» [خ¦1339] من «الجنائز»: «فردَّ الله عَزَّ وَجَلَّ عليه عينه»، وقيل: المراد بفقء العين هنا المجاز، يعني: أنَّ موسى ناظره وحاجَّه فغلبه بالحجَّة، يُقال: فقأ فلانٌ عين فلانٍ، إذا غلبه بالحجَّة، وضُعِّف هذا لقوله: «فردَّ الله عليه عينه» (قَالَ) له ربُّه: (ارْجِعْ إِلَيْهِ، فَقُلْ لَهُ: يَضَعُ يَدَهُ [3] عَلَى مَتْنِ ثَوْرٍ) بالمثنَّاة الفوقيَّة في الأولى، وبالمثلَّثة في الثَّانية، أي: على ظهر ثورٍ (فَلَهُ بِمَا غَطَّتْ) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُسْتملي: ((بما غطَّى)) (يَدُهُ بِكُلِّ شَعَرَةٍ سَنَةٌ. قَالَ) موسى: (أَيْ رَبِّ ثُمَّ مَاذَا) يكون بعد هذه السِّنين؟ حياةٌ أو موتٌ؟ (قَالَ) الله عَزَّ وَجَلَّ: (ثُمَّ) يكون بعدها (الْمَوْتُ. قَالَ) موسى: (فَالآنَ) يكون الموت (قَالَ) أبو هريرة: (فَسَأَلَ اللهَ) عَزَّ وَجَلَّ موسى (أَنْ يُدْنِيَهُ) يقرِّبه (مِنَ الأَرْضِ الْمُقَدَّسَةِ) ليُدفَن بها [4] لشرفها (رَمْيَةً بِحَجَرٍ) أي: دنوًّا، لو رمى رامٍ بحجرٍ [5] من ذلك الموضع الَّذي هو موضع قبره؛ لوصل إلى بيت المقدس، وكان موسى إذ ذاك بالتِّيه، وإنَّما سأل الإدناء ولم يسأل نفس
ج5ص387
بيت المقدس، لأنَّه خاف أن يشتهر قبره عندهم فيُفتَنوا به. قال ابن عبَّاسٍ: لو علمت اليهود قبر موسى وهارون لاتَّخذوهما إلهين من دون الله (قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَوْ) ولأبي ذرٍّ: ((فلو)) (كُنْتُ ثَمَّ) أي: هناك (لأَرَيْتُكُمْ قَبْرَهُ إِلَى) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي [6]: ((من)) وهي الَّتي في الفرع لا غير (جَانِبِ الطَّرِيقِ تَحْتَ) وللكُشميهنيِّ: ((عند)) (الْكَثِيبِ الأَحْمَرِ) _بالمثلَّثة_: الرَّمل المجتمع، وليس نصًّا في الإعلام بتعيين قبره، وقد اشتُهر قبر بأريحاء عند كثيبٍ أحمر أنَّه قبر موسى. وأريحاء من الأرض المقدَّسة، وأمَّا ما يُرى عند قبره المقدَّس من أشباحٍ بالقبَّة المبنيَّة عليه مختلفة الهيئات والأفعال فالله أعلم بحقيقتها، لكن أخبرني شيخ الإسلام البرهان بن أبي شريفٍ: أنَّه إذا وقع هناك فعل ما لا يجوز تحصل ظلمةٌ واضطرابٌ، حتَّى يُزال ذلك فتنجلي، وقد رُوِي عن وهب بن منبِّهٍ: أنَّ الملائكة تولَّوا دفنه والصَّلاة عليه (قَالَ) أي: عبد الرَّزَّاق بن همَّامٍ موصولًا بالإسناد المذكور: (وَأَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ) هو ابن راشدٍ (عَنْ هَمَّامٍ) هو ابن منبِّهٍ أنَّه (قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَحْوَهُ) أي: نحو الحديث المذكور.
ج5ص388


[1] «أنَّ»: ليس في (م).
[2] «كان»: جاء بعد قوله سابقًا: «أحمد».
[3] في (م): «يديه».
[4] في (م): «ليدفنه فيها».
[5] في (د) و(م): «حجرًا».
[6] زيد في غير (د): «والمُستملي»، والمثبت موافقٌ لما في هامش «اليونينيَّة».