إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

باب: قوله تعالى: {إذ قالت الملائكة يا مريم}

(46) (باب قَوْلِ اللهِ تَعَالَى) سقط التَّبويب لأبي ذرٍّ، فـ «قول» رفْعٌ، وهو واضحٌ ({إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ}) جبريل [1]: ({يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ} [آل عمران: 45] ) هو عيسى، لوجوده بها، وهو قول [2]: «كن»، فهو [3] من باب إطلاق السَّبب على المسبَّب ({اسْمُهُ المَسِيحُ}) مبتدأٌ أو خبرٌ ({عِيسَى}) بدلٌ أو عطف بيانٍ ({ابْنُ مَرْيَمَ}) صفةٌ لـ {عِيسَى} على أنَّ {عِيسَى} خبر مبتدأ محذوفٍ، وإنَّما قيل: {ابنُ مَرْيَمَ} _والخطاب لها_ تنبيهًا على أنَّه يُولَد من غير أبٍ؛ إذ الأولاد تُنسَب إلى الآباء، ولا تُنسَب إلى الأمِّ إلَّا إذا فُقِد [4] الأب (إِلَى قَوْلِهِ) تعالى: ({كُنْ فَيَكُونُ}) عقب الأمر من غير مهلةٍ، وثبت قوله: (({إِنَّ اللهَ يُبَشِّرُكِ} إلى آخر قوله [5]: {فَيَكُونُ})) لأبي ذرٍّ، وقال غيره بعد (({يَا مَرْيَمُ})) إلى قوله: (({فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ})) [مريم: 35].
({يُبَشِّرُكِ}) مشدَّدةً (وَ{يَبْشُرُكِ} [آل عمران: 45] ) مخفَّفةً (وَاحِدٌ) في المعنى، والثَّاني: قراءة حمزة والكسائيِّ، والآخر: قراءة الباقين [6] ({وَجِيهًا}) أي: (شَرِيفًا) في الدُّنيا بالنُّبوَّة، وفي الآخرة بالشَّفاعة (وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ) النَّخعيُّ فيما وصله سفيان الثَّوريُّ في تفسيره: ({الْمَسِيحُ}: الصِّدِّيقُ) بكسر الصَّاد والدَّال المهملتين المشدَّدتين، وقال غيره: هو «فعيلٌ» بمعنى «فاعلٍ»، فحُوِّل مبالغةً، فقيل: لأنَّه يمسح الأرض بالسِّياحة [7]، أي: يقطعها، وقيل: لأنَّه يمسح ذا العاهة فيبرأ، وقيل: بمعنى «مفعولٍ» لأنَّه مُسِح بالبركة، واللَّام فيه للغلبة.
(وَقَالَ مُجَاهِدٌ) فيما وصله الفريابيُّ: (الْكَهْلُ) في قوله تعالى: {وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا} [آل عمران: 46] هو (الْحَلِيمُ) باللَّام، وهذا فيه شيءٌ، فقد قال أبو جعفرٍ النَّحَّاس: إنَّه لا يُعرَف في اللُّغة. وقال في «اللُّباب»: الكهل: من بلغ سنَّ الكهولة، وأوَّلها: ثلاثون، أو اثنتان وثلاثون، أو ثلاثٌ وثلاثون [8]، أو أربعون، وآخرها: خمسون، أو ستُّون، ثمَّ يدخل في سنِّ الشَّيخوخة، فلعلَّ مجاهدًا فسَّره بلازمه الغالب، لأنَّ الكهل غالبًا يكون فيه وقارٌ وسكينةٌ، وهل {كَهْلًا} نسقٌ على {وَجِيهًا} أو حالٌ من الضَّمير في {يُكَلِّمُ}؟ أي [9]: يكلِّمهم حال كونه طفلًا وكهلًا كلام الأنبياء من غير تفاوتٍ؟ قال في «الفتح»: وعلى الأوَّل يتَّجه تفسير مجاهدٍ (وَ{الأَكْمَهَ}) في قوله: {وَأُبْرِئُ الأَكْمَهَ} [آل عمران: 49]: (مَنْ يُبْصِرُ بِالنَّهَارِ وَلَا يُبْصِرُ بِاللَّيْلِ) قاله مجاهدٌ فيما وصله الفريابيُّ، وهو قولٌ شاذٌّ، والمعروف: أنَّ ذلك هو الأعشى [10] (وَقَالَ غَيْرُهُ) _غير [11] مجاهدٍ_: الأكمه (مَنْ يُولَدُ أَعْمَى) وهذا قول الجمهور، وقال ابن عبَّاسٍ: من وُلِد مطموس العين، وقال عكرمة: الأعمش.
ج5ص408


[1] «جبريل»: ليس في (ص).
[2] في (د): «قوله».
[3] «فهو»: ليس في (د).
[4] في (ص) و(م): «لفقد».
[5] «قوله»: مثبتٌ من (د).
[6] في (د): «للباقين».
[7] في (ص): «بالمساحة» ولعلَّه تحريفٌ.
[8] «أو ثلاثٌ وثلاثون»: ليس في (د).
[9] في (م): «أو» وهو تحريفٌ.
[10] في (م): «الأعمش» وهو تحريفٌ.
[11] في (ص): «عن» وهو تحريفٌ.