إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

باب قول الله تعالى: {وآتينا داود زبورًا}

(37) (بابُ قَوْلِ اللهِ [1] تَعَالَى: {وَآتَيْنَا دَاوُدَ}) هو ابن إِيْشا _بهمزةٍ مكسورةٍ وتحتيَّةٍ ساكنةٍ بعدها شينٌ معجمَةٌ_ ابن عَوْبَدٍ _بعينٍ مهملةٍ ثمَّ مُوحَّدةٍ بينهما واوٌ ساكنةٌ آخره دالٌ مهملةٌ، بوزن: جعفرٍ_ ابن باعَر _بمُوحَّدةٍ فألفٍ فعينٍ مهملةٍ مفتوحةٍ فراءٍ_ ابن سلمون بن ريابٍ _بتحتيَّةٍ آخره مُوحَّدةٌ_ ابن رام [2] بن حَضرون _بمهملةٍ مفتوحةٍ فمُعجَمةٍ_ ابن فارص _بفاءٍ فألفٍ فراءٍ فصادٍ مهملةٍ_ ابن يهوذا بن يعقوب ({زَبُورًا} [النِّساء: 163] الزُّبُرُ) هي (الْكُتُبُ، وَاحِدُهَا: زَبُورٌ، زَبَرْتُ) أي: (كَتَبْتُ) وهذا ثابتٌ للكشميهنيِّ والمُستملي، وكان فيها التَّحميد والتَّمجيد والثَّناء على الله عَزَّ وَجَلَّ. وقال القرطبيُّ: كان فيه مئةٌ وخمسون سورةً، ليس فيها حكمٌ ولا حلالٌ ولا حرامٌ، وإنَّما هي حِكَمٌ ومواعظ. وكان داود حسن الصَّوت، إذا أخذ في قراءة الزَّبور؛ اجتمع عليه الإنس والجنُّ والوحش والطَّير لحُسْنِ صوته.
({وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُدَ مِنَّا فَضْلًا}) نبوَّةً وكتابًا، أو ملكًا، أو جميع ما أُوتِي من حسن الصَّوت، بحيث إنَّه كان إذا سبَّح تسبِّح معه الجبال الرَّاسيات الصُّمُّ الشَّامخات، وتقف له الطُّيور السَّارحات والغاديات والرَّائحات، وتجاوبه بأنواع اللُّغات، وتليين الحديد، وغير ذلك ممَّا خُصَّ [3] به ({يَا جِبَالُ}) محكيٌّ بقولٍ مُضمَرٍ، ثمَّ إن شئت قدَّرته مصدرًا، ويكون بدلًا من {فَضْلًا} على جهة تفسيره به، كأنَّه قيل: «آتيناه فضلًا قولنا: يا جبال» وإن شئت قدَّرته فعلًا، وحينئذٍ لك وجهان، إن شئت جعلته بدلًا من {آتَيْنَا} معناه: «آتينا قلنا: يا جبال» وإن شئت جعلته مستأنفًا، وثبت للمُستملي والكُشْميهَنيِّ قوله «{وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُدَ...} إلى آخره» [4] ({أَوِّبِي مَعَهُ}. قَالَ مُجَاهِدٌ) فيما وصله الفريابيُّ: أي [5]: (سَبِّحِي مَعَهُ) وعن الضَّحَّاك: هو التَّسبيح بلغة الحبشة، قال ابن كثيرٍ: وفي هذا نظرٌ، فإنَّ التَّأويب في اللُّغة هو التَّرجيع، وقال [6] وهبٌ: نُوحي معه، وذلك إمَّا بخلق صوتٍ مثل صوته فيها، أو بحملها إيَّاه على التَّسبيح إذا تأمَّل ما فيها، وقيل: سيري معه حيث سار، والتَّضعيف للتَّكثير.
({وَالطَّيْرَ}) نُصِب في قراءة العامَّة عطفًا [7] على محلِّ {جِبَالٍ} لأنَّه منصوبٌ تقديرًا، ويجوز الرَّفع، وبه قرأ رَوْحٌ عطفًا على لفظ [8] {جِبَالٍ} وفي هذا من الفخامة والدَّلالة على عظمة داود وكبرياء سلطانه ما فيه، حيث جعل الجبال والطُّيور كالعقلاء المنقادين لأمره، وليس التَّأويب منحصرًا في الطَّير والجبال، ولكن ذكر الجبال لأنَّ الصُّخور للجمود، والطُّيور للنُّفور، وكلاهما تُستبعَد منه الموافقة، فإذا وافقته هذه الأشياء فغيرها أولى، ورُوِي: أنَّه كان إذا نادى بالنِّياحة أجابته الجبال بصداها، وعكفت عليه الطُّيور، فصدى الجبال الَّذي يسمعه النَّاس اليوم من ذلك، وقيل: كان إذا تخلَّل الجبال فسبَّح الله جعلت الجبال تجاوبه بالتَّسبيح نحو ما يسبِّح، وقيل: كان إذا لحقه فتورٌ أسمعه الله تسبيح الجبال، تنشيطًا له، وثبت للكشميهنيِّ والمُستملي «سبِّحي معه» ({وَأَلَنَّا}) عطفٌ على {آتَيْنَا} ({لَهُ الْحَدِيدَ}) حتَّى كان في يده كالشَّمع والعجين، يعمل منه ما يشاء من غير نارٍ ولا ضرب مطرقةٍ، بل كان يفتله بيده مثل
ج5ص395
الخيوط، وذلك في قدرة الله يسيرٌ، وسقط لأبي ذرٍّ «{وَالطَّيْرَ} إلى: {الْحَدِيدَ}» ({أَنِ اعْمَلْ}) بأن اعمل ({سَابِغَاتٍ}) أي: (الدُّرُوعَ) الكوامل الواسعات الطِّوال تُسحب في الأرض، وذكر الصِّفة ويُعلَم منها الموصوف ({وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ} [سبأ: 10-11] ) أي: (الْمَسَامِيرِ وَالْحَلَقِ) أي: قدِّر [9] المسامير وحلق الدُّروع (وَلَا تُدِقَّ) بضمِّ الفوقيَّة وكسر الدَّال المهملة، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْميهَنيِّ: ((ولا تُرِقَّ)) بالرَّاء بدل الدَّال (الْمِسْمَارَ) أي: لا تجعل مسمار الدِّرع دقيقًا، أو لا تجعله رقيقًا (فَيَتَسَلْسَلَ) يُقال: تسلسل الماء، أي: جرى، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْميهَنيِّ: ((فَيَسْلَسَ [10] ) ) أي: فلا يستمسك (وَلَا تُعَظِّمْ) بضمِّ أوَّله وكسر ثالثه مُشدَّدًا، أي: المسمار (فَيَفْصِمَ) أي: يكسر الحلق، اجعله على قدر الحاجة، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْميهَنيّ: ((فينفصم)) بزيادة نونٍ ساكنةٍ قبل الفاء، وهذا فيه نظرٌ، لأنَّ دروعه [11] لم تكن مُسمَّرةً، ويؤيِّده قوله: {وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ} والمعنى: {قَدِّرْ فِي السَّرْدِ} أي: في نسجها بحيث يتناسب حلقها. قال قتادة: وهو أوَّل من عملها من الحلَق، وإنَّما كانت قبل صفائح. وعند ابن أبي حاتمٍ: أنَّه كان يرفع كلَّ يومٍ درعًا فيبيعها بستَّة آلاف درهمٍ، ألفين له ولأهله، وأربعة آلافٍ يطعم بها بني إسرائيل خبز الحُوَّارَى، وقوله «الزُّبر....» إلى [12] هنا ثابتٌ في رواية المُستملي والكُشْميهَنيِّ ({أَفْرِغْ}) بفتح الهمزة وكسر الرَّاء والفاء ساكنةٌ [13]، يريد: قوله تعالى: {رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا} [البقرة: 250] (أي: أَنْزِلْ).
({بَسْطَةً}) في قوله تعالى: {إِنَّ اللهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً} [البقرة: 247] أي: (زِيَادَةً وَفَضْلًا) وكلتا الكلمتين في قصَّة طالوت، وهذا ثابتٌ في رواية أبي ذرٍّ عن الكُشْميهَنيِّ. والوجه إسقاطه كما لا يخفى.
({وَاعْمَلُوا}) داود وأهله ({صَالِحًا}) في الَّذي أعطاكم من النِّعم ({إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} [المؤمنون: 51] ) مُراقِبٌ لكم، بصيرٌ بأعمالكم وأقوالكم [14].
ج5ص396


[1] في غير (د) و(س): «قوله» والمثبت موافقٌ لما في «اليونينيَّة».
[2] في (د): «إرم».
[3] في (د): «اختصَّ».
[4] قوله: «محكيٌّ بقولٍ مُضمَرٍ، ثمَّ إن شئت قدَّرته مصدرًا... {وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُدَ...} إلى آخره» سقط من (د).
[5] في (د): «قال».
[6] زيد في غير (د): «ابن»، والمثبت موافقٌ لكتب التَّفاسير.
[7] في (د): «عطفٌ».
[8] زيد في (م): «يا».
[9] «قدِّر»: ليس في (د) و(م).
[10] في (د): «فيسلسل»، وهو تحريفٌ.
[11] في (د): «درعه».
[12] «إلى»: ليس في (د).
[13] «والفاء ساكنةٌ»: ليس في (د).
[14] «وأقوالكم»: ليس في (ب).