إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

حديث: يقول الله تعالى: يا آدم فيقول: لبيك وسعديك والخير في يديك

3348- وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد، ولأبي ذرٍّ: ((حدَّثنا)) (إِسْحَاقُ ابْنُ نَصْرٍ) نسبه [1] لجدِّه _واسم أبيه: إبراهيم المروزيُّ، وقيل: البخاريُّ_ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ) حمَّاد بن أسامة (عَنِ الأَعْمَشِ) سليمان بن مهران أنَّه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو صَالِحٍ) ذكوان الزَّيَّات (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) أنَّه (قَالَ: يَقُولُ اللهُ تَعَالَى) زاد في «سورة الحجِّ» [خ¦4741]: «يوم القيامة» (يَا آدَمُ، فَيَقُولُ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشْميهَنيِّ: ((قال)): (لَبَّيْكَ) أي: إجابةً لك [2] بعد إجابةٍ، ولزومًا لطاعتك، فهو من المصادر المثنَّاة لفظًا، ومعناها: التَّكرير [3] بلا حصرٍ، ومثله: (وَسَعْدَيْكَ) أي: أسعدني إسعادًا [4] بعد إسعادٍ (وَالْخَيْرُ فِي يَدَيْكَ، فَيَقُولُ) الله تعالى له: (أَخْرِجْ) _بفتح الهمزة وكسر الرَّاء_ من النَّاس (بَعْثَ النَّارِ) أي: مبعوثها، وهم أهلها (قَالَ): يا ربِّ (وَمَا بَعْثُ النَّارِ؟) أي: وما مقدار [5] مبعوث [6] النَّار؟ (قَالَ) تعالى: (مِنْ كُلِّ أَلْفٍ تِسْعَ مِئَةٍ وَتِسْعَةً وَتِسْعِينَ) نصبٌ، قال العينيُّ: على التَّمييز، ويجوز الرَّفع خبر مبتدأ محذوفٍ (فَعِنْدَهُ) أي: عند قوله تعالى لآدم: «أخرج بعث النَّار» (يَشِيبُ الصَّغِيرُ) من شدَّة الهول لو تُصوِّر وجوده، لأنَّ الهمَّ يضعف القويَّ ويسرع بالشَّيب، أو هو محمولٌ على الحقيقة، لأنَّ كلَّ أحدٍ يُبعَث على ما مات عليه، فيُبعَث الطِّفل طفلًا، فإذا وقع ذلك يشيب الطِّفل من شدَّة الهول ({وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا}) لو فُرِض وجودها [7]، أو أنَّ من ماتت حاملًا بُعثِت حاملًا، فتضع حملها من الفزع ({وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى}) من الخوف ({وَمَا هُمْ بِسُكَارَى}) من الشَّراب، أو المعنى: كأنَّهم سُكارى من شدَّة الأمر الَّذي أدهش عقولهم، وما هم بسُكارى على الحقيقة، كذا قرَّروه [8]، قال في «فتوح الغيب»: وهو مُؤذِنٌ [9] بأنَّ قوله تعالى: {وَمَا هُمْ بِسُكَارَى} بيانٌ لإرادة معنى السُّكر من قوله تعالى: {وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى} فإمَّا [10] أن يراد به التَّشبيه، كما تقول [11]: وترى النَّاس كالسُّكارى، شُبِّهوا بالسُّكارى بسبب ما غشيهم من الخوف فبقوا مسلوبي العقول كالسَّكران، أو أن يُراد الاستعارة، كأنَّه قيل: ترى النَّاس خائفين، فوضع موضعه: «سُكارى» ولذا بيَّن بقوله: «من الخوف»، وصرَّح: «وما هم بسكُارى من الشَّراب»، ومن علامات المجاز صحَّة سلبه، كما إذا قلت للبليد: «حمارٌ» يصحُّ نفيه، وكذا هنا نفي السُّكر الحقيقيِّ بقوله: «وما هم بسكارى» مُؤكَّدًا بالباء؛ لأنَّ هذا السُّكر أمرٌ لم يُعهَد مثله [12] ({وَلَكِنَّ عَذَابَ اللهِ شَدِيدٌ} [الحجُّ: 2] ) تعليلٌ لإثبات السُّكر المجازيِّ لمَّا نفى عنهم السُّكرَ الحقيقيَّ، وهل هذا الخوف لكلِّ أحدٍ أو لأهل النَّار خاصَّةً؟ قال قومٌ: الفزع الأكبر وغيره يختصُّ بأهل النَّار، أمَّا أهل الجنَّة فيُحشَرون آمنين، قال تعالى: {لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ} [الأنبياء: 103] وقال آخرون: الخوف عامٌّ، والله يفعل ما يشاء (قَالُوا) أي: من حضر من الصَّحابة: (يَا رَسُولَ اللهِ، وَأَيُّنَا ذَلِكَ الْوَاحِدُ؟) ولأبي الوقت: ((ذاك)) بألفٍ بدل [13] اللَّام (قَالَ) صلى الله عليه وسلم: (أَبْشِرُوا) بقطع الهمزة وكسر المعجمة (فَإِنَّ مِنْكُمْ رَجُلٌ) بالرَّفع مبتدأٌ مُؤخَّرٌ، وفي «إنَّ» يُقدَّر ضمير الشَّأن محذوفًا؛ أي: فإنَّه منكم رجلٌ، ولأبي ذرٍّ: ((رجلًا))بالنَّصب، وهو ظاهرٌ (وَمِنْ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ أَلْفٌ) بالرَّفع، ولأبي ذرٍّ: ((ألفًا)) بالنَّصب؛ كما مرَّ في «رجلٌ» و«رجلًا». وفي «سورة الحجِّ» [خ¦4741]: «من يأجوج ومأجوج تسعَ مئةٍ وتسعة وتسعين، ومنكم واحدٌ...» الحديث، والحكم للزَّائد.
(ثُمَّ قَالَ) عليه الصلاة والسلام: (وَ) الله (الَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنِّي أَرْجُو أَنْ تَكُونُوا) أي: أمَّته المؤمنون [14] به (رُبُعَ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَكَبَّرْنَا) سرورًا بهذه البشارة العظيمة (فَقَالَ) عليه الصلاة والسلام: (أَرْجُو أَنْ تَكُونُوا ثُلُثَ أَهْلِ الْجَنَّةِ. فَكَبَّرْنَا) سرورًا لذلك (فَقَالَ) عليه الصلاة والسلام (أَرْجُو أَنْ تَكُونُوا نِصْفَ أَهْلِ الْجَنَّةِ) ولا يعارض هذا ما في «التِّرمذيِّ» وحسَّنه عن بُرَيدة مرفوعًا: «أهل الجنَّة عشرون ومئة صفٍّ، ثمانون منها من هذه الأمَّة، وأربعون منها من سائر الأمم»؛ لأنَّه ليس في حديث الباب الجزم
ج5ص340
بأنَّهم نصف أهل الجنَّة فقط، وإنَّما هو رجاءٌ رجاه لأمَّته، ثمَّ أعلمه الله تعالى بعد ذلك أنَّ أمَّته ثلثا أهل الجنَّة (فَكَبَّرْنَا) سرورًا بما أنعم به الله تعالى، وتكريرًا لإعطاء «رُبُعًا» ثم «نصفًا» لأنَّه أوقع في النَّفس وأبلغ في الإكرام، مع الحمل لهم على تجديد الشُّكر (فَقَالَ) عليه الصلاة والسلام: (مَا أَنْتُمْ فِي النَّاسِ) في المحشر (إِلَّا كَالشَّعَرَةِ السَّوْدَاءِ) بفتح العين (فِي جِلْدِ ثَوْرٍ أَبْيَضَ) سقط لابن عساكر لفظ «جلد» (أَو كَشَعَرَةٍ بَيْضَاءَ فِي جِلْدِ ثَوْرٍ أَسْوَدَ) و«أو» للتَّنويع، أو شكٌّ من الرَّاوي. وهذا في المحشر _كما مرَّ_ وأمَّا في الجنَّة، فهم نصف النَّاس هناك، أو ثلثاهم كما مرَّ. ومطابقة الحديث للتَّرجمة في قوله: «فإنَّ منكم رجلٌ، ومن يأجوج ومأجوج ألفٌ» إذ فيه الإشارة إلى كثرتهم، وأنَّ هذه الأمَّة بالنِّسبة إليهم نحو عُشْر عُشْر العشر.
وهذا الحديث أخرجه أيضًا في «التَّفسير» [خ¦4741] وتأتي بقيَّة مباحثه _إن شاء الله تعالى_ في أواخر «الرِّقاق» [خ¦6530] بعون الله تعالى وقوَّته [15].
ج5ص341


[1] في (د): «نسبةً».
[2] «لك»: ليس في (م).
[3] في (د): «التَّكثير» وفي نسخةٍ كالمثبت.
[4] زيد في (د): «لك».
[5] في (م): «أو مقدار».
[6] في (د): «بعث».
[7] في (د): «وجوده» وزيد في (م): «من الهول».
[8] في (ص): «قرَّره».
[9] في غير (د) و(م): «يؤذن».
[10] في غير (د) و(م): «فإنَّه إمَّا».
[11] في غير (د) و(ص): «يُقال»، وفي (م): «نقول».
[12] في (ص): «بمثله».
[13] في (م): «بغير».
[14] في (ل): «المؤمنين».
[15] «وقوَّته»: ليس في (د).