إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

حديث كعب: كان رسول الله إذا سر استنار وجهه حتى كأنه قطعة قمر

3556- وبه قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى ابْنُ بُكَيْرٍ) بضمِّ الموحَّدة مصغَّرًا _واسمُ أبي يَحيى: عبدُ الله_ قال: (حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) بنُ سعدٍ الإمامُ (عَنْ عُقَيْلٍ) بضمِّ العين، ابنِ خالدٍ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ التابعيِّ (عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ كَعْبٍ) أبي الخطَّابِ السُّلَمِيِّ المدنيِّ التابعيِّ (أَنَّ) أباهُ (عَبْدَ اللهِ بْنَ كَعْبٍ) التابعيَّ (قَالَ: سَمِعْتُ) أبي (كَعْبَ بْنَ مَالِكٍ) الأنصاريَّ الخزرجيَّ (يُحَدِّثُ حِينَ تَخَلَّفَ عَنْ) غزوةِ (تَبُوكَ قَالَ: فَلَمَّا سَلَّمْتُ عَلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهْوَ يَبْرُقُ وَجْهُهُ مِنَ السُّرُورِ) فَرَحًا بتوبةِ الله على كعبٍ (وَكَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا سُرَّ اسْتَنَارَ وَجْهُهُ) أي: أضاء (حَتَّى كَأَنَّهُ) أي: الموضعُ الذي يتبيَّن فيه السرورُ وهو جبينُه (قِطْعَةُ قَمَرٍ).
فإن قلت: لِمَ عَدَلَ عن تشبيه وجهِهِ الشريف بالقمر إلى تشبيهه بقطعةِ قمرٍ؟ أجاب الشيخ [1] سِراج الدين البُلقينيُّ: بأنَّ وجه العدول أنَّ القمر فيه قطعةٌ يظهر فيها سواد، وهو المسمَّى بالكَلَف، فلو شُبِّه بالمجموع، لدخلتْ هذه القطعةُ في المشبَّه به، وغرضُه إنَّما هو التشبيه على أكمل الوجوه، فلذلك قال: كأنَّه قطعةُ قمرٍ، يريد القطعةَ الساطعةَ الإشراقِ الخاليةَ مِن شوائبِ الكدر. انتهى.
وقيل: إنَّ الإشارة إلى موضع الاستنارة وهو الجبين، وفيه يظهر السرورُ كما قالت عائشة: «مسرورًا تبرق أسارير وجهه» فكأنَّ التشبيه وقع على بعض الوجه، فناسَبَ أنْ يشبَّه ببعض القمر، لكن قد أخرج الطبرانيُّ حديث كعب بن مالك من طرق في بعضِها: «كأنَّه دارةُ قمرٍ». وأمَّا حديث جُبير بن مُطعِمٍ عند الطبرانيِّ أيضًا: «التفتَ إلينا النبيُّ صلى الله عليه وسلم بوجهٍ مثلَ شقَّةِ القمرِ» فهو محمولٌ على صفتِه عند الالتفات (وَكُنَّا نَعْرِفُ ذَلِكَ مِنْهُ) أي: استنارة وجهه إذا سُرَّ، وجزاءُ [2] قولِه: «فلمَّا سلَّمتُ» محذوفٌ، أي: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أَبْشِر» كما سيأتي إن شاء الله تعالى في «غزوة تبوك» [خ¦4418].
وقد ساقَه هنا مختصرًا جِدًّا، وأخرجه في مواضع من «الوصايا» [خ¦2757] و«الجهاد» [خ¦2947] [خ¦2948] [خ¦2949] [خ¦3088] و«وفود الأنصار» [خ¦3889] ومواضع من «التفسير» [خ¦4673] [خ¦4676] [خ¦4678] و«الأحكام» [خ¦7225] و«المغازي» [خ¦3951] [خ¦4418] مطوَّلًا ومختصرًا، ومسلمٌ في «التوبة» و«الطلاق»، والنَّسائيُّ.
ج6ص30


[1] «الشيخ»: ليس في (د).
[2] في (ص): «خبر»، وزيد بعده في (م): «أي».