إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

حديث: وما يدريك أن الله قد أكرمه

1243- وبه قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى ابْنُ بُكَيْرٍ) بضمِّ الموحَّدة، قال: (حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) بن سعدٍ الإمامُ (عَنْ عُقَيْلٍ) بضمِّ العين (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (خَارِجَةُ بْنُ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ) أحد الفقهاء السَّبعة بالمدينة: (أَنَّ أُمَّ الْعَلَاءِ) بنت الحارث بن ثابتٍ (امْرَأَةً مِنَ الأَنْصَارِ) عطف بيانٍ، أو رفعٌ بتقدير: هي امرأةٌ (بَايَعَتِ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَليهِ وَسَلَّم أَخْبَرَتْهُ) في موضع رفع خبر «أنَّ»: (أَنَّهُ اقْتُسِمَ الْمُهَاجِرُونَ قُرْعَةً) الهاء ضمير الشَّأن، و«اقتُسِم»؛ بضمِّ التَّاء مبنيًّا للمفعول، وتاليه نائبُ الفاعل، و«قرعة» نصبٌ بنزع [1] الخافض؛ أي بقرعةٍ، أي: اقتسم الأنصار المهاجرين بالقرعة في نزولهم عليهم وسكناهم في منازلهم لمَّا دخلوا عليهم المدينة (فَطَارَ لَنَا عُثْمَانُ بْنُ مَظْعُونٍ) بالظَّاء المعجمة والعين المُهمَلة، الجمحيُّ القرشيُّ، أي: وقع في سهمنا (فَأَنْزَلْنَاهُ فِي أَبْيَاتِنَا، فَوَجِعَ) كذا في «اليونينيَّة» [2] (وَجَعَهُ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ، فَلَمَّا تُوُفِّي
ج2ص376
وَغُسِّلَ وَكُفِّنَ فِي أَثْوَابِهِ؛ دَخَلَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَليهِ وَسَلَّم) عليه (فَقُلْتُ: رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْكَ أَبَا السَّائِبِ) بالسِّين المهملة؛ وهي كنية عثمان (فَشَهَادَتِي عَلَيْكَ) أي: لك (لَقَدْ أَكْرَمَكَ اللهُ) جملةٌ من المبتدأ والخبر، ومثل هذا التَّركيب يُستعمَل عرفًا ويراد به معنى القسم؛ كأنَّها قالت: أقسم بالله لقد أكرمك الله (فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَليهِ وَسَلَّم: وَمَا يُدْرِيكِ) بكسر الكاف، أي: من أين علمت (أَنَّ اللهَ أَكْرَمَهُ؟) أي: عثمان، ولأبي ذَرٍّ: ((أنَّ الله قد أكرمه)) (فَقُلْتُ: بِأَبِي أَنْتَ) مفدًّى، أو أفديك به (يَا رَسُولَ اللهِ، فَمَنْ يُكْرِمُهُ الله؟) إذا لم يكن هو من المكرمين، مع إيمانه وطاعته الخالصة (فَقَالَ) عليه السلام، وللأَصيليِّ: ((قال)): (أَمَّا هُوَ) أي: عثمان (فَقَدْ جَاءَهُ الْيَقِينُ) أي: الموت (وَاللهِ إِنِّي لأَرْجُو لَهُ الْخَيْرَ) وأمَّا غيره؛ فخاتمة أمره غير معلومةٍ، أهو ممَّن يُرجى له الخير عند اليقين أم لا؟ (وَاللهِ مَا أَدْرِي وَأَنَا رَسُولُ اللهِ مَا يُفْعَلُ بِي) ولا بكم، هو موافقٌ لما في سورة الأحقاف [3] وكان ذلك قبل نزول آية الفتح {لِيَغْفِرَ لَكَ اللهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ} [الفتح: 2] لأنَّ الأحقاف مكيَّةٌ، والفتح مدنيَّةٌ بلا خلافٍ فيهما، وكان أوَّلًا لا يدري؛ لأنَّ الله لم يعلمه، ثم درى بأنْ أعلمه الله [4] بعد ذلك، أو المراد: ما أدري ما يُفعل بي، أي: في الدُّنيا من نفعٍ وضرٍ [5]، وإلَّا فاليقين القطعيُّ بأنَّه خير البريَّة يوم القيامة، وأكرم الخلق، قاله القرطبيُّ والبرماويُّ، وقال البيضاويُّ: أي: في الدَّارين على التَّفصيل؛ إذ لا علم بالغيب، ولا لتأكيد النَّفي المشتمل على ما يفعل بي و«ما» إمَّا موصولةٌ منصوبةٌ، أو استفهاميَّةٌ مرفوعةٌ. انتهى. فأصل الإكرام معلومٌ، قال البرماويُّ: وكثير من التَّفاصيل، أي: معلومٌ أيضًا، فالخفيُّ [6] بعض التَّفاصيل، وأمَّا قول البرماويِّ _كالكرمانيِّ [7] والزَّركشيِّ، وسيأتي في سورة الأحقاف_: إنَّها منسوخةٌ بأوَّل سورة [8] الفتح، تعقَّبه في «المصابيح» بأنَّه خبرٌ؛ وهو لا يدخله النَّسخ، فلا يقال: فيه منسوخٌ وناسخٌ. انتهى. ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيْهَنِيِّ [9]: ((ما يُفعل به)) أي: بعثمان، قال في «الفتح»: وهو غلطٌ منه، فإنَّ المحفوظ في رواية اللَّيث هذا؛ ولذا عقَّبه المصنِّف برواية نافع بن يزيد عن عُقيل الَّتي لفظها: ((ما يفعل به)) (قَالَتْ: فَوَاللهِ لَا أُزَكِّي أَحَدًا بَعْدَهُ أَبَدًا) وفي الحديث: أنَّه لا يجزم في أحدٍ بأنَّه من أهل الجنَّة، إلَّا إن نصَّ عليه الشَّارع؛ كالعشرة، لا سيما والإخلاص أمرٌ قلبيٌّ لا يُطَّلَع عليه.
ورواته ما بين مصريٍّ _بالميم_ وأيليٍّ [10] ومدنيٍّ، وفيه التَّحديث، والإخبار، والعنعنة، وتابعيٌّ عن تابعيٍّ عن صحابيَّة، وأخرجه أيضًا في «الجنائز» و«الشَّهادات» [خ¦2687] و«التَّفسير» و«الهجرة» [خ¦3929] و«التَّعبير» [خ¦7018]، والنَّسائيُّ في «الرؤيا».
وبه قال: (حَدَّثَنَا سَعِيدُ ابْنُ عُفَيْرٍ) بضمِّ العين وفتح الفاء وسكون التَّحتيَّة ثمَّ راءٍ، نسبةً [11] لجدِّه، واسم أبيه: كثير المصريُّ قال: (حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) بن سعدٍ (مِثْلَهُ) أي: مثل الحديث المذكور (وَقَالَ نَافِعُ بْنُ يَزِيدَ) مولى شرحبيل بن حسنة، القرشيُّ المصريُّ، ممَّا وصله الإسماعيليُّ (عَنْ عُقَيْلٍ) بضمِّ العين وفتح القاف: (مَا يُفْعَلُ بِهِ) بالهاء بدل الياء، أي بعثمان؛ لأنَّه لا يعلم من ذلك إلَّا ما يُوحَى إليه، واكتفى المؤلِّف بهذا القدر إشارةً إلى أنَّ باقي الحديث متَّفقٌ عليه (وَتَابَعَهُ شُعَيْبٌ) هو ابن أبي حمزة، ممَّا وصله المؤلِّف في «الشَّهادات» [خ¦2687] (وَعَمْرُو بْنُ دِينَارٍ) بفتح العين، ممَّا وصله ابن أبي عمر في «مسنده»، عن ابن عيينة عنه (وَمَعْمَرٌ) ممَّا وصلَّه المؤلِّف في «باب العين الجارية» من «كتاب التَّعبير» [خ¦7018] من طريق ابن المبارك عنه.
ج2ص377


[1] في (ص): «بنصب»، وليس بصحيحٍ.
[2] «كذا في اليونينيَّة»: مثبتٌ من (ص).
[3] اسم الجلالة ليس في (م).
[4] في (ص): «ضرر».
[5] في (د): «فالخف»، وليس بصحيحٍ، وزيد في (م): «أيضا».
[6] «كالكرماني»: سقط من (د).
[7] «سورة»: ليس في (د).
[8] في (د) و(م): «وللكُشْمِيهَنيِّ».
[9] في (م): «مكي».
[10] في غير (د) و(س): «نسبه».