إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

حديث: أن أسود كان يقم المسجد

1337- وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ) السَّدوسيُّ البصريُّ، الملقَّب بعارم؛ بالعين والرَّاء المهملتين، قال: (حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ) هو ابن درهمٍ (عَنْ ثَابِتٍ) هو البنانيُّ (عَنْ أَبِي رَافِعٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: أَنَّ أَسْوَدَ رَجُلًا) بالنَّصب بدل من «أسودَ»، ويجوز الرَّفع: خبر مبتدأ محذوفٍ (أَوِ امْرَأَةً كَانَ يَقُمُّ الْمَسْجِدَ) أي: يكنسه، ولأبي ذَرٍّ: ((كان يقمُّ في المسجد))، وللأَصيليِّ وأبي الوقت وابن عساكر: ((يكون في المسجد يقمُّ المسجد)) [1] (فَمَاتَ
وَلَمْ [2] يَعْلَمِ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَليهِ وَسَلَّم بِمَوْتِهِ، فَذَكَرَهُ ذَاتَ يَوْمٍ) من إضافة المسمَّى إلى اسمه، أو [3] لفظة «ذات» مقحمةٌ (فَقَالَ) عليه الصلاة والسلام: (مَا فَعَلَ ذَلِكَ الإِنْسَانُ؟ قَالُوا) ولأبي ذَرٍّ والأَصيليِّ: ((فقالوا)): (مَاتَ يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: أَفَلَا آذَنْتُمُونِي؟) بالمدِّ: أعلمتموني (فَقَالُوا: إِنَّهُ كَانَ كَذَا وَكَذَا) زاد أبو ذَرٍّ: ((وكذا)) (قِصَّتَهُ) بالنَّصب بتقدير نحو: ذكروا، ويجوز الرَّفع: خبر مبتدأ محذوفٍ، وسقط «قصَّته» لأبي ذَرٍّ وابن عساكر والأَصيليِّ (قَالَ: فَحَقَرُوا شَأْنَهُ) لا ينافي ما سبق [خ¦458] من التَّعليل بأنَّهم كرهوا أن يوقظوه عليه الصلاة والسلام في الظُّلمة خوف المشقَّة؛ إذ لا تنافي بين التَّعليلين (قَالَ) عليه الصلاة والسلام: (فَدُلُّونِي) بضمِّ الدَّال (عَلَى قَبْرِهِ، فَأَتَى قَبْرَهُ فَصَلَّى عَلَيْهِ) أي: على القبر، وهذا موضع التَّرجمة، وفيه جواز الصَّلاة على القبر بعد الدَّفن، سواءٌ دُفِنَ قبلها أم [4] بعدها، نعم؛ لا تجوز الصَّلاة على قبور الأنبياء صلَّى اللهُ عليهم وسلَّم، لخبر «الصَّحيحين»: «لعن الله اليهود والنَّصارى؛ اتَّخذوا قبور أنبيائهم مساجد» [خ¦1330] ولحديث البيهقيِّ: «الأنبياء لا يُتركون في قبورهم بعد أربعين ليلةً، لكنَّهم يصلُّون بين يدي الله حتَّى يُنفَخ في الصُّور» وبأنَّا لم نكن أهلًا للفرض وقت موتهم، وفي دلالة الحديث الأوَّل على المدَّعى نظرٌ، وأمَّا الثَّاني؛ فرُوِيَ بمعناه أحاديث أُخَر، وكلُّها ضعيفةٌ، وقد روى عبد الرَّزَّاق في «مصنَّفه» عقب [5] بعضها حديثًا مرفوعًا: «مررت بموسى ليلة أُسرِيَ بي وهو قائمٌ يصلِّي في قبره»، قال الحافظ ابن حجرٍ: وأراد بذلك ردَّ ما رواه أوَّلًا، قال [6]: وممَّا يقدح في هذه الأحاديث حديث: «صلاتكم معروضةٌ عليَّ» وحديث: «أنا أوَّل من تنشقُّ عنه الأرض» [خ¦2412] وإنَّما تجوز الصَّلاة على قبر غيرهم وعلى الغائب عن البلد لمن كان من أهل فرض الصَّلاة عليه وقت موته، ولا يقال: إنَّ الصَّلاة على القبر من خصائصه عليه الصلاة والسلام؛ لِمَا زاده حمَّاد بن سلمة عن ثابتٍ في روايته عند ابن حِبَّان، ثمَّ قال: «إن هذه القبور مملوءةٌ ظلمةً [7] على أهلها، وإنَّ الله ينوِّرها بصلاتي عليهم»؛ لأنَّ في ترك إنكاره صلى الله عليه وسلم على من صلَّى معه على القبر بيانُ جواز ذلك لغيره، وأنَّه ليس من خصائصه، لكن قد يُقال: إنَّ الَّذي يقع بالتَّبعيَّة لا ينهض [8] دليلًا للأصالة.
ج2ص433


[1] قوله: «وللأَصيليِّ وأبي الوقت وابن عساكر: يكون في المسجد يقمُّ المسجد»، سقط من (م).
[2] في (م): «فلم».
[3] في (ب): «و».
[4] في (ص): «أو».
[5] زيد في (م): «في».
[6] «قال»: ليس في (د).
[7] في (م): «ظُلُمًا».
[8] في (ص) و(م): «ينتهض».