إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

باب ما جاء في عذاب القبر

(86) (باب مَا جَاءَ فِي عَذَابِ الْقَبْرِ) قد تظاهرت الدَّلائل من الكتاب والسُّنَّة على ثبوته، وأجمع عليه أهل السُّنَّة، ولا مانع في العقل أن يعيد الله الحياة في جزءٍ من الجسد، أو في جميعه على الخلاف المعروف، فيثيبه ويعذِّبه، وإذا لم يمنعه العقل، وورد به الشَّرع [1]؛ وجب قبوله واعتقاده، ولا يمنع من ذلك كون الميِّت قد تفرَّقت أجزاؤه؛ كما يشاهد في العادة، أو أكلته السِّباع والطُّيور وحيتان البحر، كما أن الله سبحانه وتعالى يعيده للحشر، وهو سبحانه وتعالى قادرٌ على ذلك، فلا يستبعد تعلُّق روح الشَّخص الواحد في آنٍ واحدٍ بكلِّ واحدٍ من أجزائه المتفرِّقة في المشارق والمغارب، فإنَّ تعلُّقه ليس على سبيل الحلول حتَّى يمنعه الحلول في جزءٍ من الحلول في غيره [2]، قال في «مصابيح الجامع»: وقد كثرت الأحاديث في عذاب القبر، حتَّى قال غير ما [3] واحد [4]: إنَّها متواترةٌ، ولا يصحُّ عليها التَّواطؤ، وإن لم يصحَّ مثلها لم يصحَّ شيءٌ من أمر [5] الدِّين، قال أبو عثمان الحدَّاد: وليس في قوله تعالى: {لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى} [الدُّخان: 56] ما يعارض ما ثبت من عذاب القبر؛ لأنَّ الله تعالى أخبر بحياة الشُّهداء قبل يوم القيامة، وليست مرادة بقوله تعالى: {لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى} [الدُّخان: 56] فكذا حياة المقبور [6] قبل الحشر، قال ابن المُنيِّر: وأشكل ما في القضيَّة: أنَّه إذا ثبت حياتهم [7]؛ لزم أن يثبت موتهم بعد هذه الحياة؛ ليجتمع [8] الخلق كلُّهم في الموت عند قوله تعالى: {لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ}؟ [غافر: 16] ويلزم تعدُّد الموت، وقد قال الله تعالى: {لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى [9]} الآية [10] [الدُّخان: 56] والجواب الواضح [11] عندي: أنَّ معنى قوله تعالى: {لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ} [الدُّخان: 56] أي: أَلَم الموت، فيكون الموت الَّذي يعقب الحياة الأخرويَّة بعد الموت الأوَّل لا يُذاق ألمه [12] ألبتَّة، ويجوز ذلك في حكم التَّقدير بلا إشكالٍ، وما وضعت العرب اسم الموت إلَّا للمؤلِم على ما فهموه، لا باعتبار كونه ضدَّ الحياة، فعلى هذا يخلق الله لتلك الحياة الثَّانية ضدًّا يُعدمها به [13]، لا يسمَّى [14] ذلك الضِّدُّ موتًا وإن كان للحياة ضدٌّ، جمعًا بين الأدلَّة العقليَّة والنَّقليَّة واللُّغويَّة. انتهى. وقد ادَّعى قومٌ عدم ذكر عذاب القبر في القرآن، وزعموا أنَّه لم يرد ذكره إلَّا من أخبار الآحاد، فذكر المصنِّف [15] آياتٍ تدلُّ لذلك ردًّا عليهم فقال: (وَقَوْله [16] تَعَالَى) بالجرِّ عطفًا على «عذاب»، أو بالرَّفع على الاستئناف ({إِذِ الظَّالِمُونَ}) ولأبي ذَرٍّ وابن عساكر: (({وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ})) جوابه محذوفٌ، أي: ولو ترى زمان [17] غمراتهم؛ لرأيت أمرًا فظيعًا ({فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ}) شدائده ({وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ}) لِقبْضِ أرواحهم أو بالعذاب ({أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ}) أي: يقولون لهم: أخرجوها [18] إلينا من أجسادكم تغليظًا [19] وتعنيفًا عليهم، فقد ورد أنَّ أرواح الكفَّار تتفرَّق في أجسادهم، وتأبى الخروج، فتضربهم الملائكة حتَّى تخرج ({الْيَوْمَ}) يريد وقت الإماتة؛ لما فيه من شدَّة النَّزع [20]، أو الوقت الممتدُّ من الإماتة إلى ما لا نهاية له الَّذي فيه عذاب البرزخ والقيامة ({تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ} [الأنعام: 93] ) وروى الطَّبريُّ وابن أبي حاتمٍ من طريق عليِّ بن أبي طلحة، عن ابن عبَّاسٍ: {وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ} قال: هذا عند الموت، والبَسْط: الضَّرب، يضربون وجوههم وأدبارهم (الْهُونُ [21] ) [22] بالضَّمِّ، ولأبي ذَرٍّ: ((قال أبو عبد الله)) أي: البخاريُّ: «الهون» (هو الهَوَان) يريد: العذاب المتضمِّن لشدَّةٍ وإهانةٍ، وأضافه إلى «الهون» لتمكُّنه فيه (وَالْهَوْنُ) بالفتح والرَّفع [23]: (الرِّفْقُ، وَقَوْلُهُ جَلَّ ذِكْرُهُ: ({سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ}) بالفضيحة في الدُّنيا، وعذاب القبر [24]، رواه الطَّبريُّ وابن أبي حاتمٍ والطَّبرانيُّ في «الأوسط»، عن ابن عبَّاٍس بلفظ: خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الجمعة فقال: «اخرج يا فلان؛ فإنَّك منافقٌ...» فذكر الحديث، وفيه [25]: «ففضح الله المنافقين، فهذا العذاب الأوَّل، والعذاب الثَّاني عذاب القبر» أو ضرب الملائكة وجوههم وأدبارهم عند قبض أرواحهم، ثمَّ عذاب القبر ({ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ} [التَّوبة: 101] ) في جهنَّم (وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ})
ج2ص460
فرعون وقومه، واستغنى بذكرهم عن ذكره؛ للعلم بأنَّه أَولى بذلك ({سُوءُ الْعَذَابِ}) الغرق في الدُّنيا، ثمَّ النَّقلة منه إلى النَّار ({النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا}) جملةٌ مستأنفةٌ، أو {النَّارُ} بدلٌ من {سُوءُ العَذَابِ} و{يُعرَضُونَ} حالٌ، وروى ابن مسعودٍ: أنَّ أرواحهم في أجواف طيورٍ [26] سودٍ، تُعرَض على النَّار بكرةً وعشيًّا، فيقال لهم: هذه [27] داركم، رواه ابن أبي حاتمٍ، قال القرطبيُّ [28]: الجمهور على [29] أنَّ هذا العرض في البرزخ، وفيه دليلٌ على بقاء النَّفس وعذاب القبر ({وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ}) أي: هذا ما دامت الدُّنيا، فإذا قامت السَّاعة؛ قيل لهم: ({أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ} [غافر: 45] ) عذاب جهنَّم، فإنَّه أشدُّ ممَّا كانوا فيه [30] أو أشدُّ عذاب جهنَّم، وهذه الآية المكِّيَّة أصلٌ في الاستدلال لعذاب القبر، لكن استُشكِلَت مع الحديث المرويِّ في «مسند الإمام أحمد» بإسنادٍ صحيحٍ على شرط الشَّيخَين: أنَّ يهوديَّةً في المدينة كانت تعيذ عائشة من عذاب القبر، فسألت عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: «كذبت [31] يهود، لا عذاب دون يوم [32] القيامة» فلمَّا مضى بعض [33] أيَّامٍ؛ نادى رسول الله صلى الله عليه وسلم محمرَّةً عيناه بأعلى صوته: «أيُّها النَّاس؛ استعيذوا بالله من عذاب القبر؛ فإنَّه حقٌّ»، وأُجِيبَ بأنَّ الآية دلَّت على عذاب الأرواح في البرزخ، وما نفاه [34] أوَّلًا ثمَّ أثبته عليه الصلاة والسلام عذاب الجسد فيه، والأَولى أن يُقال: الآية دلَّت على عذاب الكفَّار، وما نفاه ثمَّ أثبته عذابُ القبر للمؤمنين، ففي «صحيح مسلمٍ» من طريق ابن شهابٍ عن عروة عن عائشة رضي الله عنها: أنَّ يهوديَّةً قالت لها: أشعرتِ أنَّكم تُفتَنون في القبور؟ فلمَّا سمع عليه الصلاة والسلام قولها؛ ارتاع وقال [35]: «إنَّما تُفتن اليهود»، ثمَّ قال بعد ليالٍ: «أشعرتِ أنَّه أُوحِيَ إليَّ أنَّكم تُفتَنون في القبور؟» [36]، وفي «التِّرمذيِّ» عن عليٍّ قال: «ما زلنا نشكُّ في عذاب القبر حتَّى نزلت {أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ * حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ} [التَّكاثر: 1-2]»، وفي «صحيح ابن حِبَّان» من حديث أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعًا في قوله تعالى: {فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا} قال: «عذاب القبر».
ج2ص461


[1] في (ص) و(م): «وورود الشَّرع».
[2] «في غيره»: ليس في (ص) و(م)، وفي (د): «شيء».
[3] «ما»: ليس في (ب) و(س).
[4] «غير ما واحد»: سقط من (د).
[5] في (ص): «أمور».
[6] في (ص): «القبور».
[7] في هامش (ص): (قوله: «إذا ثبت حياتهم» كذا بخطِّه من غير تاء تأنيثٍ، هو ماشٍ على المرجوح، والرَّاجح: ثبوتها؛ لأنَّ لفظ: «الحياة» اسمٌ ظاهرٌ مجازيُّ التَّأنيث؛ كقولهم: «الشَّمس طلعت أو تطلع»، ويجوز ذلك في أربع مسائل؛ منها: أن يكون اسمًا ظاهرًا مجازيَّ التَّأنيث؛ وهو ما لا فَرْج له، والتَّأنيث في هذه أرجح). انتهى رملي على «الآجرُّوميَّة».
[8] في (د): «فيجتمع».
[9] {الأُولَى}: ليس في (د).
[10] «الآية»: ليس في (د).
[11] في هامش (ص): (قوله: «والجواب الواضح»، في هذا الجواب نظرٌ؛ فإنَّ حمله على ذلك يقتضي أنَّ في الجنَّة موتًا، لكن لا يذاق ألمه؛ إذ الضَّمير في قوله تعالى: {لَا يَذُوقُونَ فِيهَا} راجعٌ للجنَّة، فكيف يتأتَّى هذا الجواب؛ فليُتأمَّل). انتهى من خطِّ شيخنا العجميِّ.
[12] في (د): «إليه»، وهو تحريفٌ.
[13] في (د) و(م): «بعد مماته».
[14] في (ص) و(م) و(د): «يتميَّز».
[15] في (د): «المؤلِّف»، وزيد في (م): «و».
[16] في (د): «وقول الله».
[17] في (ب) و(س): «زمن».
[18] في (م): «اخرُجوا».
[19] في (ص): «تقطيعًا»، وليس بصحيحٍ.
[20] في (د) و(م): «الفزع».
[21] «الهون»: ليس في (د).
[22] قوله: «وروى الطَّبريُّ وابن أبي حاتمٍ من طريق... يضربون وجوههم وأدبارهم الْهُونُ»، جاء في (د) بعد قوله: «والهون؛ بالرفع: الرِّفق».
[23] «والرَّفع»: ليس في (د).
[24] في (د): «القبور».
[25] «وفيه»: ليس في (ص).
[26] في غير (د): «طير».
[27] في غير (د) و(س): «فقال لهم: هذه».
[28] في (ص): «الدَّار القطني»، وليس بصحيحٍ.
[29] «على»: ليس في (د).
[30] «فيه»: ليس في (ص) و(م).
[31] في الأصول الخطية: «كذب» والتصحيح من مصادر التخريج.
[32] «يوم»: مثبت من (د) و(س).
[33] «بعض»: ليس في (د).
[34] في (م): «نفى».
[35] في (د): «ثمَّ قال».
[36] قوله: «فلمَّا سمع عليه الصلاة والسلام قولها؛ ... إليَّ أنَّكم تُفتَنون في القبور؟»، سقط من (ص).