إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

حديث: إني فرط لكم وأنا شهيد عليكم

1344- وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ قال: (حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) بن سعدٍ الإمامُ، قال (حَدَّثَنِي) بالإفراد (يَزِيدُ بْنُ أَبِي حَبِيبٍ) المصريُّ [1]، واسم أبيه [2]: سويد (عَنْ أَبِي الْخَيْرِ) مَرْثَد [3] بن عبد الله اليزنيِّ (عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ) بضمِّ العين وسكون القاف، الجهنيِّ رضي الله عنه: (أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَليهِ وَسَلَّم خَرَجَ يَوْمًا، فَصَلَّى عَلَى أَهْلِ أُحُدٍ) الذين استُشهِدوا في وقعته في شوَّال سنة ثلاثٍ (صَلَاتَهُ عَلَى الْمَيِّتِ) بنصب «صلاته» أي: مثل صلاته على الميِّت، زاد في «غزوة أحد» [خ¦4042] من طريق حَيْوة بن شريحٍ عن يزيد: «بعد ثمان سنين، كالمودِّع للأحياء والأموات»، لكن في قوله: بعد ثمان سنين تجوز؛ لأنَّ وقعة أحدٍ [4] كانت في شوَّال سنة ثلاثٍ كما مرَّ، ووفاته صلى الله عليه وسلم في ربيعٍ الأوَّل سنة إحدى عشْرَة، وحينئذٍ فيكون بعد سبع سنين ودون النِّصف؛ فهو من باب جَبْر الكسر، والمراد: أنَّه عليه الصلاة والسلام دعا لهم بدعاء صلاة الميِّت، وليس المراد صلاة الميِّت المعهودة [5]، كقوله تعالى: {وَصَلِّ عَلَيْهِمْ} [التَّوبة: 103] والإجماع يدلُّ له؛ لأنَّه لا يُصلَّى عليه عندنا، وعند أبي حنيفة المخالف: لا يُصلَّى على القبر بعد ثلاثة أيَّامٍ، فإن قلت: حديث جابرٍ لا يُحتجُّ به؛ لأنَّه نفيٌ، وشهادة النَّفي مردودةٌ مع ما عارضها في خبر [6] الإثبات؟ أُجِيبَ بأنَّ شهادة النَّفي إنَّما تُردُّ إذا لم يحط بها علم الشَّاهد، ولم تكن محصورةً، وإلَّا؛ فتُقبل بالاتِّفاق، وهذه قضيَّةٌ معيَّنةٌ، أحاط بها جابرٌ وغيره علمًا، وأمَّا حديث الإثبات؛ فتقدَّم الجواب عنه، وأجاب الحنفيَّة بأنَّه تجوز الصَّلاة على القبر ما لم يتفسَّخ الميِّت، والشُّهداء لا يتفسَّخون، ولا يحصل لهم تغيُّرٌ، فالصَّلاة عليهم لا تمتنع [7] أيِّ وقتٍ كان، وأوَّل أبو حنيفة الحديثَ في ترك الصَّلاة عليهم يوم أُحُدٍ على معنى اشتغاله عنهم وقلَّة فراغه لذلك، وكان يومًا صعبًا على المسلمين، فعُذِروا بترك الصَّلاة عليهم يومئذ، وقال ابن حزمٍ الظَّاهريُّ: إن صُلِّي على الشَّهيد فحسَنٌ، وإن لم يُصَلَّ عليه فحسَنٌ، واستدلَّ بحديثي جابرٍ وعقبة وقال: ليس يجوز أن يترك أحد الأثرين [8] المذكورين للآخر، بل كلاهما [9] حقٌّ مباحٌ، وليس هذا مكان نسخٍ؛ لأنَّ استعمالهما [10] معًا ممكنٌ في أحوال مختلفةٍ (ثُمَّ انْصَرَفَ إِلَى الْمِنْبَرِ) ولمسلمٍ كالمؤلِّف في «المغازي» [خ¦4042]: ثمَّ صعد المنبر كالمودِّع للأحياء والأموات (فَقَالَ: إِنِّي فَرَطٌ لَكُمْ) بفتح الفاء والرَّاء: هو الَّذي يتقدَّم الواردة؛ ليصلح لهم الحياض والدِّلاء ونحوهما [11]، أي: أنا سابقكم إلى الحوض، كالمهيِّىء له لأجلكم، وفيه إشارةٌ إلى قرب وفاته عليه الصلاة والسلام وتقدُّمه على أصحابه؛ ولذا قال: كالمودِّع للأحياء والأموات (وَأَنَا شَهِيدٌ عَلَيْكُمْ) أشهد عليكم بأعمالكم، فكأنَّه باقٍ معهم لم يتقدَّمهم، بل يبقى بعدهم حتَّى يشهد بأعمال آخرهم؛ فهو عليه الصلاة والسلام قائمٌ بأمرهم في الدَّارين في حال حياته وموته، وفي حديث ابن مسعودٍ عند البزَّار بإسنادٍ جيِّدٍ رفعه: «حياتي خيرٌ لكم، ووفاتي خيرٌ لكم، تُعرَض عليَّ أعمالكم، فما رأيت من خيرٍ حمدتُ الله عليه، وما رأيت من شرٍّ استغفرتُ الله لكم» (وَإِنِّي وَاللهِ لأَنْظُرُ إِلَى حَوْضِي الآنَ) نظرًا حقيقيًّا بطريق الكشف (وَإِنِّي أُعْطِيتُ مَفَاتِيحَ خَزَائِنِ الأَرْضِ، أَوْ مَفَاتِيحَ الأَرْضِ) شكَّ [12] الرَّاوي، فيه إشارةٌ إلى ما فتح لأمَّته [13] من الملك والخزائن من بعده (وَإِنِّي وَاللهِ مَا أَخَافُ عَلَيْكُمْ أَنْ تُشْرِكُوا بَعْدِي) أي: ما أخاف على جميعكم الإشراك، بل على مجموعكم؛ لأنَّ ذلك قد وقع من بعضٍ [14] (وَلَكِنْ أَخَافُ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنَافَسُوا فِيهَا) بإسقاط إحدى تاءَي: تتنافسوا [15]، والضمَّير لخزائن الأرض المذكورة، أو للدُّنيا المصرَّح بها في «مسلمٍ» _كالمؤلِّف في «المغازي» [خ¦4042]_ بلفظ [16]: «ولكنِّي [17] أخشى عليكم الدُّنيا أن تنافسوا [18] فيها» والمنافسة في الشَّيء: الرَّغبة فيه والانفراد به.
ورواة هذا الحديث كلُّهم مصريُّون [19]، وهو من أصحِّ الأسانيد، وفيه رواية التَّابعيِّ عن التَّابعيِّ [20] عن الصَّحابيِّ، والتَّحديث، والعنعنة، وأخرجه المؤلِّف أيضًا في «علامات النُّبوَّة» [خ¦3596] وفي «المغازي» [خ¦4042]
ج2ص440
و«ذكْر الحوض» [خ¦6590]، ومسلمٌ في «فضائل النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم»، وأبو داود في «الجنائز» وكذا النَّسائيُّ.
ج2ص441


[1] في (د) و(م): «البصريُّ»، وهو تحريفٌ.
[2] في (د): «واسمه».
[3] في غير (ص): «يزيد».
[4] في غير (ب) و(س): «لأنَّ أحدًا».
[5] في (د): «المراد الصَّلاة المعهودة».
[6] في (د): «إخبار».
[7] في (د): «تمنع».
[8] في (د): «الأمرين».
[9] في (د): «كلٌّ منهما».
[10] في (د): «اشتغالهما»، وهو تحريفٌ.
[11] في (د): «ونحوها».
[12] زيد في (د): «من».
[13] في (ب) و(س): «على أمَّته».
[14] في (ص): «بعد».
[15] في (ب) و(س): «تنافسوا».
[16] «بلفظ»: ليس في (ب).
[17] في (د): «ولكن».
[18] في (ص) و(م): «تتنافسوا».
[19] في (د): «بصريُّون»، وهو تحريفٌ.
[20] زيد في (د): «والصحابي»، وليس بصحيحٍ.