إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

حديث: أيما مسلم شهد له أربعة بخير أدخله الله الجنة

1368- وبه قال: (حَدَّثَنَا عَفَّانُ بْنُ مُسْلِمٍ) بكسر اللَّام المخفَّفة، زاد أبو ذَرٍّ: ((هو الصَّفَّار)) قال: (حَدَّثَنَا دَاوُدُ بْنُ أَبِي الْفُرَاتِ) بلفظ النَّهر، واسمه: عمرو، الكنديُّ (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ بُرَيْدَةَ) بضمِّ الموحَّدة وفتح الرَّاء، آخره هاء تأنيثٍ (عَنْ أَبِي الأَسْوَدِ) ظالم بن عمرو بن سفيان الدِّيْليِّ، بكسر الدَّال المهملة وسكون التَّحتيَّة، ويقال: الدُّؤليُّ؛ بضمِّ الدَّال، بعدها همزةٌ مفتوحةٌ؛ وهو أوَّل من تكلَّم في النَّحو [1] بعد عليِّ بن أبي طالبٍ، قال الحافظ ابن حجرٍ: ولم أره من رواية عبد الله بن بُرَيدة عنه إلَّا معنعنًا، وقد حكى الدَّارقُطنيُّ في «كتاب التَّتبع» عن عليِّ بن المدينيِّ: أنَّ ابن بُريدة إنَّما يروي عن يحيى بن يعمرٍ [2] عن أبي الأسود، ولم يقل في هذا الحديث: سمعت أبا الأسود، قال الحافظ ابن حجرٍ: وابن بُريدة وُلِدَ في عهد عمر، فقد أدرك أبا الأسود بلا ريبٍ، لكنَّ البخاريَّ لا يكتفي بالمعاصرة، فلعلَّه أخرجه شاهدًا أو اكتفى للأصل، بحديث أنسٍ السَّابق [خ¦1367] (قَالَ) أي: أبو الأسود: (قَدِمْتُ الْمَدِينَةَ) النَّبويَّة (وَقَدْ وَقَعَ بِهَا مَرَضٌ) جملةٌ حاليَّةٌ، زاد في «الشَّهادات» [خ¦2643]: وهم يموتون موتًا ذريعًا، وهو بالذَّال المعجمة، أي: سريعًا (فَجَلَسْتُ إِلَى) أي: عند (عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، فَمَرَّتْ بِهِمْ جَنَازَةٌ، فَأُثْنِيَ) بضمِّ الهمزة مبنيًّا للمفعول (عَلَى صَاحِبِهَا خَيْرًا) كذا في جميع الأصول بالنَّصب، ووجَّهه ابن بطَّالٍ بأنَّه أقام الجارَّ والمجرور [3] وهو قوله: «على صاحبها» مقام المفعول الأوَّل، و«خيرًا» مقام الثَّاني، وإن كان الاختيار عكسه، وقال النَّوويُّ: منصوبٌ بنزعِ الخافضِ، أي: أثنى عليها بخيرٍ، وقال في «مصابيح الجامع»: «على صاحبها» نائبٌ عن الفاعل، و«خيرًا» مفعولٌ لمحذوفٍ، فقال المثنون خيرًا (فَقَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: وَجَبَتْ ثُمَّ مُرَّ) بضمِّ الميم (بِأُخْرَى [4]، فَأُثْنِيَ عَلَى صَاحِبِهَا) فقال المثنون (خَيْرًا، فَقَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: وَجَبَتْ ثُمَّ مُرَّ) بضمِّ الميم (بِالثَّالِثَةِ، فَأُثْنِيَ عَلَى صَاحِبِهَا) فقال المثنون: (شَرًّا، فَقَالَ) عمر رضي الله عنه: (وَجَبَتْ، فَقَالَ أَبُو الأَسْوَدِ) المذكور بالإسناد السَّابق (فَقُلْتُ: وَمَا) معنى قولك لكل منهما (وَجَبَتْ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ؟) مع اختلاف الثَّناء بالخير والشَّرِّ (قَالَ) عمر: (قُلْتُ كَمَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَليهِ وَسَلَّم) هو المقول، وحينئذٍ فيكون قول عمر رضي الله عنه لكلِّ منهما «وجبت» [5]، قاله بناءً على اعتقاده صدق الوعد المستفاد من قوله صلى الله عليه وسلم: «أدخله الله الجنَّة» (أَيُّمَا مُسْلِمٍ شَهِدَ لَهُ أَرْبَعَةٌ) من المسلمين (بِخَيْرٍ أَدْخَلَهُ اللهُ الْجَنَّةَ، فَقُلْنَا) أي: عمر وغيره: (وَثَلَاثَةٌ؟ قَالَ) عليه الصلاة والسلام: (وَثَلَاثَةٌ، فَقُلْنَا: وَاثْنَانِ؟ قَالَ) عليه الصلاة والسلام: (وَاثْنَانِ، ثُمَّ لَمْ نَسْأَلْهُ عَنِ الْوَاحِدِ) استبعادًا أن يكتفي في مثل هذا المقام العظيم بأقلَّ من النِّصاب، واقتصر على الشِّقِّ الأوَّل اختصارًا، أو لإحالة السَّامع على القياس، وفي حديث حمَّاد بن سلمة، عن ثابت بن [6] أنسٍ عند أحمد وابن حِبَّان والحاكم مرفوعًا: «ما من مسلمٍ يموت فيشهد له أربعةٌ من جيرانه الأدنين أنَّهم لا يعلمون منه إلَّا خيرًا إلَّا قال الله تعالى: قد قبلتُ قولكم، وغفرت له ما لا تعلمون» وهذا يؤيِّد قول النَّوويِّ السَّابق: إنَّ من مات فألهم الله النَّاس الثَّناء عليه بخيرٍ، كان دليلًا على أنَّه من أهل الجنَّة، سواءٌ كانت أفعاله تقتضي ذلك أم لا، وهذا في جانب الخير واضحٌ، وأمَّا في [7] جانب الشَّرِّ؛ فظاهر الأحاديث أنَّه كذلك، لكن إنَّما يقع ذلك في حقِّ من غلب شرُّه على خيره، وقد وقع في رواية النَّضر عند الحاكم: «إنَّ لله تعالى ملائكةً تنطق على ألسنة بني آدم بما في المؤمن من الخير و [8] الشَّرِّ»، وهل يختصُّ الثَّناء الَّذي ينفع الميِّت بالرِّجال، أو يشمل النِّساء أيضًا؟ وإذا قلنا: إنَّهنَّ يدخلن فهل يكتفى بامرأتين، أو لا بد من رجل وامرأتين؟ محلُّ نظرٍ، وقد يقال: لا يدخلن؛ لقصَّة [9] أمِّ العلاء الأنصاريَّة لمَّا أثنت على عثمان بن مظعون بقولها: فشهادتي عليك لقد أكرمك الله تعالى، فقال لها النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم: «وما يدريك أنَّ الله أكرمه؟» [خ¦2687] فلم يكتفِ بشهادتها، لكن [10] يجاب بأنَّه عليه الصلاة والسلام إنَّما أنكر عليها القطع بأنَّ الله أكرمه، وذلك مغيَّبٌ عنها، بخلاف الشَّهادة للميِّت
ج2ص459
بأفعاله الحسنة الَّتي يتلبَّس بها في الحياة الدُّنيا.
ورواة هذا الحديث كلُّهم بصريُّون، لكنَّ داود مروزيٌّ [11] تحوَّل إلى البصرة، وهو من أفراد المؤلِّف.
وفيه رواية تابعيٍّ عن تابعيٍّ عن صحابيٍّ، والتَّحديث، والعنعنة، والقول، وأخرجه أيضًا في «الشَّهادات» [خ¦2643]، والتِّرمذيُّ في «الجنائز» وكذا النَّسائيُّ، والله أعلم [12].
ج2ص460


[1] في (د): «بالنحو».
[2] في الأصول الخطية: «معمر» والتصحيح من مصادر المصنف.
[3] في هامش (ص): (قوله: «أقام الجارَّ والمجرور»: مقام المفعول الأوَّل، و«خيرًا» مقام الثَّاني، يحتمل أن يكون مراده: أنَّ أصله «خيرًا عليها»، فقدَّم الثَّاني على الأوَّل، وأخَّر الأوَّل عن الثَّاني، ويحتمل أن يكون مراده: بإقامة المجرور مقام المفعول الأوَّل؛ كونه نائبًا عن الفاعل، وبإقامة «خيرًا» مقام الثَّاني؛ كونه وصفًا لمحذوفٍ؛ فليتأمَّل. انتهى. شيخنا العجميُّ، وقال ابن مالكٍ: «خيرًا»: صفة مصدرٍ محذوفٍ؛ فأُقيمَت مقامه؛ فنُصِبَت؛ لأنَّ «أثني» مسندٌ إلى الجارِّ والمجرور، والتَّفاوت بين الإسناد إلى المصدر، والإسناد إلى الجارِّ والمجرور قليلٌ). انتهى «فتح».
[4] في (د): «بالثَّانية».
[5] زيد في (د): «له».
[6] في غير (د) و(س): «عن»، وهو تحريفٌ.
[7] «في»: ليست في (ب) و(م).
[8] في (ب): «أو».
[9] في (م): «لقضيَّة».
[10] زيد في (م): «قد».
[11] في (د): «بصريٌّ»، وليس بصحيحٍ.
[12] «والله أعلم»: ليس في (د).