إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

باب قول الله تعالى: {ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم}

(54) (بابُ قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: {وَيَوْمَ}) أي: واذكرْ يومَ ({حُنَيْنٍ}) وادٍ بين مكَّة والطَّائف إلى جنبِ ذي المجازِ، بينه وبين مكَّة بضعةَ عشر ميلًا من جهةِ عرفات، سُمِّي باسم حُنَينِ بنِ قابِثَةَ بنِ مَهْلَائِيلَ، خرج إليه النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم لستٍّ خلونَ من شوَّال لمَّا بلغه أنَّ مالكَ بنَ عوفٍ النَّصْريَّ [1] جمع القبائل من هوازن، ووافقه على ذلك الثَّقفيُّون وقصدوا محاربة المسلمين، وكان المسلمون اثني عشر
ج6ص401
ألفًا، وهوازن وثقيف أربعة آلاف، وقد روى يونسُ بنُ بكيرٍ في زياداتِ «المغازي» عن الرَّبيعِ بنِ أنسٍ قال: قال رجلٌ يوم حُنين: لن نُغلبَ اليوم من قلَّةٍ، فشقَّ ذلك على النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم فكانت الهزيمةُ.
قال في «فتوح الغيب»: وهذا مثل قوله تعالى: {لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا} [الفرقان: 73] قوله: {لَمْ يَخِرُّوا} ليس نفيًا للخرورِ، وإنَّما هو إثباتٌ له ونفيٌ للصَّمم والعمى، كذلك: «لن نُغلب» ليس نفيًا للمغلوبيَّةِ، وإنَّما هو إثباتٌ لها ونفيٌ للقلَّة؛ يعني: متى غلبنا كان سببه عن القلَّة. هذا من حيث الظَّاهر ليس كلمة إعجابٍ، لكنَّها كنايةٌ عنها، فكأنَّه قال: ما أكثر عددنا، فذلك قوله تعالى: ({إِذْ}) بدل من «يوم» ({أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ}) حصل لهم الإعجابُ بالكثرة، وزال عنهم أنَّ الله هو النَّاصر لا كثرة العدد والعُدَد ({فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ}) «ما» مصدرية، و«الباء» بمعنى: مع، أي: مع رَحبها، أي: لم تجدوا موضعًا لفراركُم من أعدائكُم، فكأنَّها ضاقتْ عليكم ({ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ}) ثمَّ انهزمتُم ({ثُمَّ أَنْزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ}) رحمتَهُ الَّتي سكنوا بها وأَمِنوا (إِلَى قَوْلِهِ: {غَفُورٌ رَحِيمٌ} [التوبة: 27] ) [2] يسترُ كفر العدوِّ بالإسلامِ، وينصر المولى بعد الانهزامِ، فالكلامُ واردٌ موردَ الامتنان على الصَّحابة بنصرتهِ إيَّاهم في المواطنِ الكثيرةِ، وكانت النُّصرة في هذا اليوم المخصوص أجلَّ امتنانًا؛ لِمَا شُوهد منهم ما يُنافي النُّصرة من الإعجابِ بالكثرةِ، ولولا فضلُ الله وكرامتهِ لرسولهِ صلَّى الله عليه وسلَّم وللمؤمنين لتمَّت الدَّبْرة عليهم والنَّصر للأعداء. ألا ترى كيف أُقيم المُظْهَرُ مقامَ المُضْمر في قوله تعالى: {ثُمَّ أَنْزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ} [التوبة: 26] ليؤذن بأنَّ وصف الرِّسالة والإيمان أهلٌ [3] للانتصارِ بعد الفرار والعفو عن الاغترارِ، وحذف في رواية أبي ذرٍّ قوله: «{فَلَمْ تُغْنِ}...» إلى آخره. وقال: ((إلى {غَفُورٌ رَحِيمٌ})).
ج6ص402


[1] في (ل): «النصريَّ»، وفي هامش (ص): (قال السَّمعانيُّ: النَّصريُّ؛ بفتح النُّون، وسكون الصَّاد المهملة، وفي آخرها الراء: هذه النسبة إلى نصر بن معاوية بن بكر بن هوازن بن مالك بن عوف). انتهى. «ترتيب».
[2] في هامش (ص): (ثمَّ ذكر المصنِّف خمسة أحاديث؛ الحديث الأوَّل عن إسماعيل؛ هو ابن خالد). انتهى. «فتح».
[3] في (ل): «أهلًا»، وفي هامش (ص): (قوله: «أهلًا» كذا بخطِّ الشَّارح رحمه الله تعالى، على رأي من ينصب الجزءين بـ «أن»). انتهى.