إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

حديث: الثلث يا سعد والثلث كثير

3936- وبه قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ قَزَعَةَ) بالقاف والزَّاي والعين المُهمَلة المفتوحات، وقد تُسكَّن الزَّاي، الحجازيُّ قال: (حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ) بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرَّحمن بن عوفٍ رضي الله عنه (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلمٍ (عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ أَبِيهِ) سعد بن أبي وقَّاصٍ رضي الله عنه أنَّه (قَالَ: عَادَنِي النَّبِيُّ [1] صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَامَ [2] حَجَّةِ الْوَدَاعِ) سنة عشرٍ (مِنْ مَرَضٍ) ولأبي ذرٍّ ((يعني: من وجعٍ بي)) بدل قوله «من مرضٍ» وزيادة ((يعني)) (أَشْفَيْتُ) بالفاء المفتوحة بعدها تحتيَّةٌ ساكنةٌ، أي: أشرفتُ (مِنْهُ عَلَى الْمَوْتِ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ بَلَغَ بِي مِنَ الْوَجَعِ مَا تَرَى، وَأَنَا ذُو مَالٍ، وَلَا يَرِثُنِي) من الولد إلَّا إناثٌ (إِلَّا ابْنَةٌ لِي وَاحِدَةٌ) اسمها عائشة (أَفَأَتَصَدَّقُ بِثُلُثَيْ مَالِي؟ قَالَ) عليه الصلاة والسلام: (لَا، قَالَ): قلت: (فَأَتَصَدَّقُ) بحذف أداة الاستفهام (بِشَطْرِهِ؟ قَالَ: لا) سقط قوله «قال: لا» لغير أبي ذرٍّ (قال: الثُّلُثُ) يكفيك يَا سَعْدُ (وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ) _بالمُثلَّثة_ مبتدأٌ وخبرٌ (إِنَّكَ أَنْ تَذَرَ) بالمُعجَمة وفتح الهمزة، تترك (ذُرِّيَّتَكَ) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي ((ورثتك)) (أَغْنِيَاءَ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَذَرَهُمْ عَالَةً) بفتح اللَّام مُخفَّفةً فقراء (يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ) يطلبون الصَّدقة من أكفِّ النَّاس أو يسألونهم بأكفِّهم.
(قَالَ أَحْمَدُ ابْنُ يُونُسَ) هو أحمد بن عبد الله بن يونس شيخ المؤلِّف (عَنْ إِبْرَاهِيمَ) بن سعدٍ السَّابق، ممَّا وصله في «حجَّة الوداع» [خ¦4409] (أَنْ) بفتح الهمزة (تَذَرَ وَرَثَتَكَ [3] ) وسقط من قوله «قال أحمد...» إلى آخره هنا لأبي ذرٍّ (وَلَسْتَ بِنَافِقٍ) كذا وقع هنا، وصحَّح عليه في الفرع كأصله والقياس: بمُنْفِقٍ؛ لأنَّه من «أنفق» وقال في «الفتح»: إنَّ في رواية الكُشْميهَنيِّ: ((تنفق)) وهو الصَّواب (نَفَقَةً تَبْتَغِي بِهَا وَجْهَ اللهِ إِلَّا آجَرَكَ اللهُ بِهَا) بمدِّ همزة «آجرك» (حَتَّى اللُّقْمَةَ تَجْعَلُهَا فِي فِي امْرَأَتِكَ، قُلْتَ: يَا رَسُولَ اللهِ أُخَلَّفُ) بضمِّ الهمزة وفتح اللَّام المُشدَّدة وحذف همزة الاستفهام، أي: أَأُخَلَّف (بَعْدَ أَصْحَابِي) بمكَّة أو في الدُّنيا [4]؟ (قَالَ) عليه الصلاة والسلام: (إِنَّكَ لَنْ تُخَلَّفَ) بضمِّ أوَّله وفتح ثانيه وثالثه المُشدَّد، ورُوِي:
ج6ص234
«إنَّك إن تُخلَّف» وفي كلام الباجي وتفسيره ما يقتضي أنَّ «لن» بمعنى «أن» الشَّرطيَّة؛ لأنَّه فسَّرها بـ «إنَّك» إن يُنسَأ في أجلك، أو إن تُخلَّف بمكَّة، وإنَّما أراد أن يخرج الكلام على الخبر بالتَّأويل؛ لأنَّ «لن» لنفي المستقبل مُحقَّقًا، والمراد هنا: احتماله وتوقُّعه (فَتَعْمَلَ عَمَلًا) صالحًا (تَبْتَغِي) تطلب (بِهِ وَجْهَ اللهِ) عزَّ وجلَّ (إِلَّا ازْدَدْتَ بِهِ) بالعمل الصَّالح، ولأبي ذرٍّ ((بها)) (دَرَجَةً وَرِفْعَةً، وَلَعَلَّكَ تُخَلَّفُ) بأن يطول عمرك (حَتَّى يَنْتَفِعَ بِكَ أَقْوَامٌ) من المسلمين بما يفتحه الله عزَّ وجلَّ على يديك من بلاد الشِّرك، ويأخذوه المسلمون من الغنائم (وَيُضَرَّ بِكَ آخَرُونَ) من المشركين الهالكين على يديك وجنودك، وكذا كان فإنَّه شُفِي من مرضه ولم يُقِم بمكَّة، وعاش بعدُ [5] نيِّفًا وأربعين سنةً، وولي العراق وفتحها الله عزَّ وجلَّ على يديه، فأسلم على يديه خلقٌ كثيرٌ فنفعهم الله عزَّ وجلَّ به، وقَتل وأَسر من الكفَّار كثيرًا فاستضرُّوا به، وذلك من جملة أعلام نبوّته صلَّى الله عليه وسلَّم (اللَّهُمَّ أَمْضِ) بهمزة قطعٍ، أي: تمِّم (لأَصْحَابِي هِجْرَتَهُمْ، وَلَا تَرُدَّهُمْ عَلَى أَعْقَابِهِمْ) بترك هجرتهم ورجوعهم عن استقامتهم، قال الزُّهريُّ عن إبراهيم بن سعدٍ: (لَكِنِ الْبَائِسُ) بالمُوحَّدة والهمزة بعدها سينٌ مُهمَلةٌ، ولم يُهمَز [6] في «اليونينيَّة» بل بخفض الياء فقط؛ الذي عليه أثر البؤس وهو شدَّة الفقر والحاجة (سَعْدُ ابْنُ خَوْلَةَ) بفتح الخاء المُعجَمة وسكون الواو (يَرْثِي) بفتح التَّحتيَّة وسكون الرَّاء وكسر المُثلَّثة، أي: يتحزَّن ويتوجَّع (لَهُ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ تُوُفِّي) أي: لأجل وفاته، ولأبي ذرٍّ ((أن يتوفَّى)) (بِمَكَّةَ) التي هاجر منها، وقوله: «لكن البائس...» إلى آخره ليس بمرفوعٍ، بل مُدرَجٌ من قول الزُّهريِّ كما أفادته رواية أبي داود الطَّيالسيِّ لهذا الحديث.
(وَقَالَ أَحْمَدُ ابْنُ يُونُسَ) المذكور أعلاه فيما وصله المؤلِّف في «حجِّة الوداع» [خ¦4409] كما بيَّناه قريبًا (وَمُوسَى) بن إسماعيل المنقريُّ شيخ المؤلِّف أيضًا، فيما وصله في «الدَّعوات» [خ¦6373] (عَنْ إِبْرَاهِيمَ) بن سعدٍ: (أَنْ تَذَرَ وَرَثَتَكَ) وهذا التَّعليق ثابتٌ هنا في أكثر الأصول، ولغير أبي ذرٍّ: بعد قوله: ((يتكفَّفون النَّاس)) لكن تعليق أحمد ابن يونس فقط كما مرَّ.
وأخرج الحديثَ المؤلِّفُ في «الجنائز» [خ¦1295].
ج6ص235


[1] في (م): «رسول الله»، والمثبت موافقٌ لِمَا في «اليونينيَّة».
[2] في (م): «يوم»، والمثبت موافقٌ لِمَا في «اليونينيَّة».
[3] في (ص): «ذرِّيَّتك»، وهي رواية غير أبي ذرٍّ.
[4] في (م): «المدينة».
[5] في (م): «بعده».
[6] في (ب) و(س): «يهمزه».