إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

حديث: لما كان يوم أحد انهزم الناس عن النبي وأبو طلحة بين

3811- وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ) بفتح الميمين بينهما عينٌ مُهمَلةٌ ساكنةٌ، عبد الله بن عَمرٍو _بفتح العين_ ابن أبي الحجَّاج، ميسرة المُقعَد التَّميميُّ المنقريُّ مولاهم البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ) بن سعيدٍ التَّنُّوريُّ قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ) بن
ج6ص162
صُهَيبٍ (عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ) أنَّه (قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ) وقعة (أُحُدٍ؛ انْهَزَمَ النَّاسُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَأَبُو طَلْحَةَ بَيْنَ يَدَي النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) الواو في «وأبو طلحة» للحال، وهو مبتدأٌ، خبره (مجوّبٌ) بفتح الميم وضمِ الجيم وسكون الواو، وبضمِّ [1] الميم وفتح الجيم وكسر الواو مُشدَّدةً آخره مُوحَّدةٌ فيهما، وكلاهما في الفرع وأصله أي: مترِّسٌ (بِهِ عَلَيْهِ) زاده الله شرفًا لديه (بِحَجَفَةٍ) بفتح الحاء المهملة والجيم والفاء: بترسٍ (لَهُ) من جلد لا خشب فيه، وقوله: «بحجفةٍ» متعلِّقٌ بقوله: «مجوِّبٌ» كما لا يخفى (وَكَانَ أَبُو طَلْحَةَ رَجُلًا رَامِيًا) بالقوس (شَدِيدَ الْقِدِّ) بإضافة «شديد» إلى «القِدِّ» بكسر القاف وتشديد الدَّال، وهو السَّير من جلدٍ لم يُدبَغ، أي: شديد وتر القوس في النَّزع والمدِّ، قال الحافظ ابن حجرٍ رحمه الله: وبهذا جزم الخطَّابيُّ وتبعه ابن التِّين. انتهى. وعبارة الخطَّابيِّ _فيما ذكره الكرمانيُّ_: ويحتمل أن تكون الرِّواية: ((القِدِّ)) _بالكسر_ ويُرَاد به وتر القوس، قال الزَّركشيُّ: ولذا أَتْبَعَهُ بقوله: (يَكْسِرُ يَوْمَئِذٍ قَوسَينِ) بتحتيَّةٍ مفتوحةٍ فكافٍ ساكنةٍ، و«قوسين»: نُصِب على المفعوليَّة (أَوْ ثَلَاثًا) بالنَّصب عطفًا عليه، من شدَّته، والذي في «اليونينيَّة» [2] وعزاها في «الفتح» للأكثر: ((شديدًا)) بالنَّصب ((لقد)) بلام التَّأكيد، وكلمة «قد» للتَّحقيق، والذي في فرع «اليونينيَّة»: ((شديدَ)) بنصبةٍ واحدةٍ على الدَّال، وكشط الأخرى ((القَدِّ)) بنصبةٍ على القاف [3]، وكشط فوق الدَّال واللَّام ولم يضبطهما، وضبَّب على قوله: ((يكسر [4] ) ) وفي الهامش كـ «اليونينيَّة» عن الكُشْميهَنيِّ في رواية أبي ذرٍّ عنه: ((تَكَسَّر)) بفوقيَّةٍ مفتوحةٍ فكافٍ مفتوحةٍ وتشديد المُهمَلة المفتوحة: «تَفَعَّل» ليدلَّ على كثرة الكسر ((يومئذٍ قوسان)) رَفْعٌ، فاعلِ «تَكَسَّر»، ((أو ثلاثٌ)) رُفِعَ أيضًا عطفًا على سابقه، وقال في «الفتح»: ورُوِي: ((شديد المَدِّ)) بالميم المفتوحة بدل القاف وتشديد الدَّال، وقال الكرمانيُّ وتبعه البرماويُّ: وفي بعضها: ((اليد)) أي: بالتَّحتيَّة بدل القاف (وَكَانَ الرَّجُلُ يَمُرُّ) بأبي طلحة (وَمَعَهُ الجَعْبَةُ) بفتح الجيم وسكون العين المُهمَلة: الكنانة (منَ النَّبْلِ) بفتح النُّون وسكون المُوحَّدة: السِّهام (فَيَقُولُ) النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم: (انْشُرْهَا) بنونٍ ساكنةٍ فمُعجَمةٍ مضمومةٍ، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْميهَنيِّ: ((انثرها)) بالمُثلَّثة بدل الشِّين المُعجَمة (لأَبِي طَلْحَةَ) ليرمي بها (فَأَشْرَفَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) أي: اطَّلع من فوق حال كونه (يَنْظُرُ إِلَى الْقَوْمِ) وهم يرمون (فَيَقُولُ) له (أَبُو طَلْحَةَ: يَا نَبِيَّ اللهِ) أفديك (بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي، لَا تُشْرِفْ) بالشِّين المُعجَمة والجزم على النَّهي، أي: لا تطَّلع (يُصِيبُكَ) رُفِع، أي: لا تشرف فإنَّه يصيبك (سَهْمٌ مِنْ سِهَامِ الْقَوْمِ) من الأعداء، ولأبي ذرٍّ ((يُصِبْكَ)) بالجزم جواب النَّهي، لكن قال القاضي عياضٌ: والأوَّل هو الصَّواب، والثَّاني خطأٌ وقلبٌ للمعنى، وتعقَّبه في «المصابيح» فقال: بل الثَّاني صوابٌ على رأي الكسائيِّ المشهور [5] وهو أنَّه أجاز: «لا تكفر تدخلِ النَّار»، و«لا تدنُ من الأسد يأكلْك» بالجزم؛ إذ من الواضح البيِّن أنَّ معنى الأوَّل: لا تكفرْ، فإنَّك إنْ تكفر تدخلِ النَّار، وأنَّ معنى الثَّاني: لا تدنُ من الأسد، فإنَّك إن تدنُ منه يأكلْك، والجماعة إنَّما يقدِّرون فعل الشَّرط منفيًّا؛ فلذلك لا يصحُّ عندهم التَّركيب المذكور، لكن لم يصل الأمر فيه إلى حدِّ إذا وجدنا روايةً صحيحةً تتخرَّج على رأي إمامٍ من أئمَّة العربيَّة جليل المكانة نطرح الرِّواية، ونقطع بخطئها اعتمادًا على مذهب المخالفين، هذا أمرٌ لا يقتضيه الإنصاف (نَحْرِي دُونَ نَحْرِكَ) قال الكرمانيُّ: النَّحر: الصَّدر، أي: صدري عند صدرك أي: أقف أنا بحيث يكون صدري كالتِّرس لصدرك. انتهى. قال أنسٌ: (وَلَقَدْ رَأَيْتُ عَائِشَةَ بِنْتَ أَبِي بَكْرٍ وَ) أمِّي (أُمَّ سُلَيْمٍ) زوج أبي طلحة رضي الله عنهما (وَإِنَّهُمَا لَمُشَمِّرَتَانِ) _بكسر الميم مع التَّثنية_ أثوابهما (أَرَى) بفتح الهمزة: أُبْصِرُ (خَدَمَ سُوقِهِمَا) بضمِّ السِّين جمع ساقٍ، مجرورٌ بإضافة «خدم» إليه، وهو بفتح الخاء المُعجَمة وبالدَّال المُهمَلة جمع الخَدَمة، وهي الخلخال، أو أصل السَّاق، وكان قبل نزول الحجاب، حال كونهما (تَنْقُزَانِ الْقِرَبَ) بفتح الفوقيَّة وسكون النُّون وضمِّ القاف وبعد الزَّاي ألفٌ فنونٌ، أي: تَثِبَان [6] وتقفزان من سرعة السَّير، و«القِرَب» نُصِب، واستُبعِد؛ لأنَّ «تنقز» غير متعدٍّ، وأوَّلَهُ بعضُهم على نزع الخافض، أي: تثبان بالقرب، وضبطه
ج6ص163
في الفرع وأصله: ((تُنقِزان)) أيضًا بضمِّ حرف المضارعة وكسر القاف من أنقز، فعدَّاه بالهمزة، فيصحُّ على هذا نصب «القِرَب»، وللكُشْمِيهَنِيِّ: ((تنقلان)) باللَّام بدل الزَّاي، وفي «المصابيح»: أنَّ «القِرَبَ» مفعولٌ باسم فاعلٍ، منصوبٌ على الحال محذوفٌ، أي: تنقزان جاعلتين القِرَبَ (عَلَى مُتُونِهِمَا) ظهورهما (تُفْرِغَانِهِ) بضمِّ حرف المضارعة، أي: الماء (فِي أَفْوَاهِ الْقَوْمِ) من المسلمين (ثُمَّ تَرْجِعَانِ فَتَمْلَأَانِهَا، ثُمَّ تَجِيئَانِ فَتُفْرِغَانِهَا) كذا في الفرع بالتَّأنيث، وفي أصله ((تفرغانه)) (فِي أَفْوَاهِ الْقَوْمِ، وَلَقَدْ وَقَعَ السَّيْفُ مِنْ يَدَيْ أَبِي طَلْحَةَ) بتثنية «يدَي»، ولأبي ذرٍّ: ((من يدِ)) بالإفراد (إِمَّا مَرَّتَيْنِ، وَإِمَّا ثَلَاثًا) زاد مسلمٌ في روايته: «من النُّعاس»، وعند المؤلِّف في «المغازي» في «باب {إِذْ تُصْعِدُونَ}» [خ¦4068]: {ثُمَّ أَنزَلَ عَلَيْكُم مِن بَعْدِ الْغَمِّ}: عن أبي طلحة أنَّه قال: كنت فيمن [7] تغشَّاه النُّعاس يوم أُحُدٍ حتَّى سقط سيفي من يدِي مرارًا، يسقط وآخذه ويسقط وآخذه.
ورجال حديث الباب كلُّهم بصريُّون، وسبق في «الجهاد» [خ¦2902] وذكره أيضًا في «غزوة أُحُدٍ» [خ¦4068].
ج6ص164


[1] في (ب) و(س): «أو بضمِّ».
[2] «والذي في «اليونينيَّة»»: ليس في (ب).
[3] قوله: «وكشط الأخرى، القَدِّ؛ بنصبةٍ على القاف» ضُرِب عليه في (م).
[4] في (م): «بكسر»، وهو تصحيفٌ.
[5] «المشهور»: ليس في (م).
[6] «أي: تثبان»: ليس في (ص).
[7] في (م): «فيما»، وهو تحريفٌ.