إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

حديث: الأنصار لا يحبهم إلا مؤمن ولا يبغضهم إلا منافق

3783- وبه قال: (حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ) بكسر الميم، الأنماطيُّ البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) ابن الحجَّاج، أبو بسطام العتكيُّ، أمير المؤمنين في الحديث (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد، ولأبي ذرٍّ: ((حدَّثني)) بالإفراد أيضًا (عَدِيُّ بْنُ ثَابِتٍ) الأنصاريُّ، ثقةٌ لكنَّه قاضي الشِّيعة وإمام مسجدهم بالكوفة (قَالَ: سَمِعْتُ الْبَرَاءَ) بن عازبٍ (رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَو قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: الأَنْصَارُ) الأوس والخزرج (لَا يُحِبُّهُمْ) كلُّهم (إِلَّا مُؤْمِنٌ) كاملُ الإيمان (وَلَا يُبْغِضُهُمْ) كلُّهم من جهة نصرتهم للرَّسول عليه الصلاة والسلام (إِلَّا مُنَافِقٌ) وفي «مُستخرَج أبي نُعيمٍ» من حديث البراء: «مَنْ أَحَبَّ الأنصار فبحبِّي أحبَّهم، ومن أبغض الأنصار فببغضي أبغضهم»، وهو يؤيِّد ما مرّ من تقديرٍ من جهة نصرتهم... إلى آخره. والتَّقييد بـ «كلِّهم» مخرجٌ لمن أبغض بعضهم لمعنًى يسوِّغ البغض له (فَمَنْ أَحَبَّهُمْ أَحَبَّهُ اللهُ، وَمَنْ أَبْغَضَهُمْ أَبْغَضَهُ اللهُ) وإنَّما خُصُّوا بذلك؛ لِمَا فازوا به دون غيرهم من القبائل من إيوائه صلَّى الله عليه وسلَّم ومواساته بأنفسهم وأموالهم، فكان صنيعهم لذلك موجبًا لمعاداتهم جميع الفرق الموجودين إذ ذاك؛ من عربٍ وعجمٍ، والعداوة تجرُّ البغض، ثمَّ إنَّ ما اختصُّوا به موجبٌ للحسد، والحسد يجرُّ إلى البغض أيضًا، فمن ثمَّ حذَّر صلَّى الله عليه وسلَّم من بغضهم، ورغَّب في حبِّهم حتَّى جعله من الإيمان والنِّفاق؛ تنويهًا بفضلهم، وهذا جارٍ باطِّرادٍ في أعيان الصَّحابة؛ لتحقُّق الاشتراك في الإكرام؛ لِمَا لهم من حسن الغَنَاء في الدِّين، وإن وقع من بعضهم لبعضٍ بغضٌ بسبب الحروب الواقعة بينهم؛ فذاك من غير هذه الجهة؛ لِمَا طرأ من المخالفة، ومن ثمَّ لم يحكم بعضهم على بعضٍ بالنِّفاق، وإنَّما حالهم في ذلك حال المجتهدين في الأحكام؛ للمصيب أجران، وللمخطىء أجرٌ واحدٌ.
وهذا الحديث أخرجه مسلمٌ في «الإيمان»، والتِّرمذيُّ والنَّسائيُّ في «المناقب»، وابن ماجه في «السُّنَّة».
ج6ص150