إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

حديث: ما غرت على امرأة للنبي ما غرت على خديجة

3816- وبه قال: (حَدَّثَنَا سَعِيدُ ابْنُ عُفَيْرٍ) بضمِّ المهملة وفتح الفاء، أبو عثمان المصريُّ، نسبه لجدِّه عُفَيرٍ، واسم أبيه كثيرٌ _بالمُثلَّثة_ قال: (حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) بن سعدٍ الإمام (قَالَ: كَتَبَ إِلَيَّ هِشَامٌ) قال في «فتح الباري»: وقع عند الإسماعيليِّ من وجهٍ آخر عن اللَّيث: «حدَّثني هشامٌ» فلعلَّ اللَّيث لقي هشامًا بعد أن كتب إليه فحدَّثه به، أو كان مذهبه إطلاق «حدَّثنا» في الكتابة، وقد نقل ذلك [1] عنه الخطيب في «علوم الحديث» (عَنْ أَبِيهِ) عروة بن الزُّبير بن العوَّام (عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا) أنَّها (قَالَتْ: مَا غِرْتُ عَلَى امْرَأَةٍ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) بكسر الغين المُعجَمة وسكون الرَّاء، من الغَيْرة؛ وهي الحميَّة والأَنَفة، يُقال: رجلٌ غيورٌ وامرأة غيورٌ بلا هاءٍ؛ لأنَّ «فعولًا» يشترك فيه الذَّكر والأنثى، و«ما» نافيةٌ، و«ما» في قوله: (مَا غِرْتُ) مصدريَّة أو موصولةٌ، أي: ما غرت مثل غيرتي، أو مثل التي غرتها (عَلَى خَدِيجَةَ) فيه ثبوت الغيرة وأنَّها غير مستنكرٍ وقوعها من فاضلات النِّساء فضلًا عمَّن دونهنَّ، وأنَّ عائشة كانت تغار من نساء النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم، لكن من خديجة أكثر (هَلَكَتْ) ماتت (قَبْلَ أَنْ يَتَزَوَّجَنِي) يعني: ولو كانت الآن موجودةً؛ لكانت غيرتي أقوى، ثمَّ بيَّنت سبب غيرتها بقولها: (لِمَا كُنْتُ أَسْمَعُهُ يَذْكُرُهَا) وفي الرِّواية الآتية [خ¦3817]: «من كثرة ذكر رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم إيَّاها» (وَأَمَرَهُ اللهُ أَنْ يُبَشِّرَهَا بِبَيْتٍ) أي: في الجنَّة (مِنْ قَصَبٍ) بفتح القاف والصَّاد المُهمَلة آخره مُوحَّدةٌ: لؤلؤٍ مُجوَّفٍ، وهذا أيضًا من جملة أسباب الغيرة؛ لأنَّ اختصاصها بهذه البشرى يُشعِر بمزيد محبَّته عليه الصلاة والسلام لها، وعند الإسماعيليِّ من رواية الفضل بن موسى عن هشام بن عروة: «ما حسدتُ امرأةً قطُّ ما حسدت خديجة حين بشَّرها النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم ببيتٍ من قصبٍ» (وَإِنْ كَانَ لَيَذْبَحُ الشَّاةَ) «إن» مُخفَّفةٌ من الثَّقيلة؛ ولذا أتت باللَّام في قولها: «ليذبح الشَّاة» (فَيُهْدِي) بضمِّ الياء وكسر الدَّال (فِي خَلَائِلِهَا) بالخاء المُعجَمة: أصدقائها (مِنْهَا) من الشَّاة (مَا يَسَعُهُنَّ) أي: ما يكفيهنَّ، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: ((ما يتَّسِعُهُنَّ)) بزيادة الفوقيَّة المُشدَّدة بعد التَّحتيَّة، أي: ما يتَّسع لهنَّ، قال في «الفتح»: وفي رواية النَّسفيِّ [2]: ((يُشْبِعُهُنَّ)) من الشِّبَع؛ بكسر المُعجَمة وفتح المُوحَّدة، وليس في روايته لفظة: «ما» وهذا أيضًا من أسباب الغيرة؛ لِمَا فيه من الإشعار باستمرار حبِّه لها حتَّى كان يتعاهد أصدقاءَها.
ج6ص167


[1] «ذلك»: ليس في (ب).
[2] في (م): «النَّسائيِّ»، والمثبت موافقٌ لما في «الفتح» (7/169).